ملفات ساخنة

اتفاق مكة ومراجعات التموضع الأمريكي: رسائل طمأنة سياسية في مواجهة تحولات الردع الإقليمي

إعداد: أحوال ميديا

يأتي توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان في لحظة استراتيجية فارقة، تنشغل فيها المنطقة بتحولات متسارعة في المشهد الأمني والإقليمي، بالتزامن مع كشف تقارير أمريكية كبرى، نشرتها صحف “وول ستريت جورنال” و”واشنطن بوست” ومجلة “نيوزويك”، إلى جانب مراكز أبحاث متخصصة، عن مراجعات جادة داخل البنتاغون لإعادة تقييم الانتشار العسكري في قواعد الكويت والبحرين. وتأتي هذه التحركات في أعقاب تعرض القواعد لضربات بالصواريخ والمسيّرات الحوثية والإقليمية، فضلاً عن تحذيرات من نقص حاد في ذخائر منظومات “باتريوت” و”ثاد”. وقد أسهم ذلك في جعل القواعد المقامة تاريخياً وفق “مبدأ كارتر” أكثر عرضة للاستهداف المباشر، في وقت أبقى فيه الرئيس دونالد ترامب الموقف الأمني رهين الغموض برفضه التعليق، الأمر الذي أثار قلق حلفاء واشنطن الخليجيين.

وفي ظل هذه التطورات، يُقرأ “اتفاق مكة” بوصفه رسالة طمأنة سياسية واستراتيجية للرياض، تؤكد وجودها ضمن مظلة حلف إسلامي يضم قوى كبرى، كتركيا وباكستان، بما يتيح لها تنويع شراكاتها الأمنية. ويتزامن ذلك مع عدم انضمام مصر إلى الاتفاق، في ضوء التباينات القائمة مع أنقرة في ملفي ليبيا والسودان، من دون أن يتطور الموقف المصري إلى مستوى الاعتراض أو المواجهة، إدراكاً لطبيعة الاتفاق بوصفه خطوة موجهة، في جانب أساسي منها، إلى طمأنة المملكة. وفي الوقت نفسه، يتقاطع هذا الترتيب مع مساعٍ سعودية متواصلة لاحتواء النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق واليمن، عبر أدوات سياسية واقتصادية، إلى جانب التنسيق المستمر مع واشنطن.

غير أن الانتقال من التوافق السياسي إلى بناء منظومة ردع حقيقية يصطدم بجملة من الفجوات البنيوية لدى أطراف الاتفاق؛ إذ تواجه تركيا ضغوطاً تضخمية، وتعاني باكستان أزمات مالية، فيما تعتمد السعودية على استيراد المنظومات العسكرية المتقدمة. وفي المقابل، تتفوق قوى إقليمية، مثل الهند وإسرائيل، في مجالات التقنيات الفضائية والسيبرانية والصناعات العسكرية الذكية، بما يفرض تحدياً إضافياً أمام قدرة الاتفاق على التحول إلى منظومة ردع متكاملة. ويضاف إلى ذلك غياب إيران عن هذا الترتيب، وهو ما يشكل نقطة ضعف جوهرية في أي محاولة لإعادة صياغة معادلات الردع الإقليمي، وقد تجسد ذلك في تصريحات طهران التي وصفت الاتفاق بأنه “أمن على ورق”، لا يغير معادلات الميدان.

وختاماً، يظل “اتفاق مكة” حتى الآن إطاراً للتكيف السياسي مع احتمالات إعادة التموضع الأمريكي وتنويع التحالفات، أكثر منه منظومة ردع مكتملة الأركان. ويبقى انتقاله إلى قوة ردع ميدانية رهيناً بمدى قدرة أطرافه على تجاوز الفجوات التكنولوجية والاقتصادية، وتحويل التوافقات والنصوص السياسية إلى مستوى فعلي من التكامل العسكري والتقني.

يوسف الصايغ

صحافي لبناني يحمل شهادة الاجازة في الإعلام من كلية الاعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية. عمل في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية الاخبارية والقنوات التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى