ملفات ساخنة

“طريق ترامب” يدخل مرحلة التنفيذ ويعيد ترتيب النفوذ في جنوب القوقاز

بحث الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان تنفيذ مشروع “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي”، في مؤشر على انتقال التفاهمات التي رعتها واشنطن بين باكو ويريفان إلى مرحلة أكثر عملية، وسط اهتمام أمريكي متزايد بمسارات النقل والتجارة في جنوب القوقاز.

ويقوم المشروع على فتح ممر عبر الأراضي الأرمينية يربط البر الرئيسي لأذربيجان بإقليم نخجوان، مع تطوير البنية التحتية للنقل والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات، بما يسمح بربط المنطقة بمسارات تجارية تمتد نحو تركيا وأوروبا. ويأتي ذلك في أعقاب الاتفاقات التي أبرمتها أذربيجان وأرمينيا برعاية أمريكية، بعد سنوات من النزاع وتغير موازين القوى في المنطقة، ولا سيما عقب سيطرة باكو على إقليم ناغورني قره باغ عام 2023.

وتسعى واشنطن، من خلال الإطار الجديد للمشروع، إلى الاضطلاع بدور مباشر في تطوير أحد المسارات الاستراتيجية في المنطقة، في وقت تؤكد فيه التفاهمات المعلنة احترام سيادة أرمينيا ووحدة أراضيها واختصاصها القضائي. ويمنح هذا الدور الولايات المتحدة حضوراً اقتصادياً متزايداً في منطقة ظل النفوذ الروسي فيها لعقود عاملاً رئيسياً في ترتيبات الأمن والنقل، فيما تبحث دول القوقاز عن مسارات جديدة للتجارة والربط الإقليمي.

وبالنسبة لأذربيجان، يمثل المشروع فرصة لتعزيز الاتصال البري مع نخجوان وتوسيع موقعها كمركز للنقل بين آسيا وأوروبا. أما أرمينيا، فيمكن أن يوفر لها انفتاح الطرق الإقليمية فرصة للاستفادة من موقعها الجغرافي وتطوير بنيتها التحتية، وإن كان تنفيذ المشروع لا يزال مرتبطاً بتفاهمات سياسية وقانونية وأمنية بين الأطراف المعنية.

وتتجاوز أهمية الممر حدوده الاقتصادية، نظراً إلى موقعه الجغرافي الحساس. فدخول الولايات المتحدة بصورة مباشرة في مشروع للنقل والبنية التحتية في جنوب القوقاز يضيف عاملاً جديداً إلى توازنات منطقة ترتبط مصالحها في آن واحد بروسيا وإيران وتركيا، كما يضع مسارات التجارة والطاقة أمام إعادة حسابات تتجاوز أطراف النزاع الأذربيجاني الأرمني.

وتنظر موسكو إلى التطورات في جنوب القوقاز في ظل تراجع نسبي في قدرتها على احتكار أدوار الوساطة والأمن التي اضطلعت بها تاريخياً، بينما تتابع طهران المشروع بحذر بسبب قرب مساره من حدودها وتأثير أي تغيير في طرق العبور الإقليمية على مصالحها التجارية والجيوسياسية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المشروع يستهدف أياً من الدولتين بصورة مباشرة، لكنه يغير البيئة التي تتحرك فيها مصالحهما في المنطقة.

وفي السياق نفسه، يكتسب المشروع أهمية بالنسبة إلى تركيا، التي يمكن أن تستفيد من تعزيز الاتصال البري مع أذربيجان وآسيا الوسطى، كما يتقاطع مع مسار “الممر الأوسط” الذي يربط آسيا بأوروبا عبر بحر قزوين والقوقاز وتركيا. ومن هذه الزاوية، قد يؤدي تطوير الطريق إلى زيادة أهمية جنوب القوقاز في شبكات التجارة والنقل الدولية، بالتوازي مع تنافس أوسع بين مشاريع الربط الإقليمي المختلفة.

أما بالنسبة للصين، فإن تطور هذه المسارات يندرج ضمن بيئة تنافسية تتقاطع فيها مشاريع الربط العابرة للقارات مع مبادرة “الحزام والطريق”، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مواجهة مباشرة بين المشروعين. فالأمر يتعلق أساساً بتعدد طرق التجارة والطاقة وتنافس الدول على امتلاك مواقع مؤثرة داخل الشبكات التي تربط آسيا بأوروبا.

وبذلك، لا يقتصر “طريق ترامب” على كونه مشروعاً لفتح ممر بين أذربيجان ونخجوان، بل يمثل اختباراً عملياً لقدرة الاتفاقات السياسية الأخيرة على إنتاج واقع جديد في جنوب القوقاز. وبينما يمكن أن يمنح المشروع المنطقة فرصاً اقتصادية وتجارياً إضافية، فإن نجاحه سيبقى مرتبطاً بقدرة أذربيجان وأرمينيا والولايات المتحدة على معالجة الملفات القانونية والأمنية العالقة، وتحقيق توافق يحافظ على سيادة الأطراف ويضمن استمرارية الممر.

وفي حال اكتمل المشروع، فإن أثره لن يقتصر على تحسين الربط بين دول المنطقة، بل قد يمتد إلى إعادة توزيع بعض أدوار النفوذ ومسارات التجارة في جنوب القوقاز. أما حجمه الحقيقي في ميزان القوى الإقليمي، فسيظل مرتبطاً بما إذا كان سينجح في التحول من اتفاق سياسي مدعوم أمريكياً إلى بنية نقل وتجارية مستقرة وقابلة للاستمرار.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى