ملفات ساخنة

تغول الأيديولوجيا في صرح الأكاديميا: التمكين السلفي يُسقط سيادة جامعة دمشق

أثارت التطورات الأخيرة داخل جامعة دمشق جدلاً سياسياً واجتماعياً واسعاً حول حدود الصلاحيات الممنوحة للتيارات المتطرفة في العاصمة السورية، وذلك عقب صدور بيان رسمي عن إدارة الجامعة يشدد على منع إقامة أي فعاليات أو نشاطات داخل الحرم الجامعي دون الحصول على موافقة مسبقة، مؤكداً على حرمة المؤسسة التعليمية وضرورة الحفاظ على بيئتها الأكاديمية المستقلة. وجاء هذا الموقف الإداري ليصطدم مباشرة مع إعلانات تحدٍ علنية نشرها القيادي الجهادي المصري، المعروف بـ”الذهبي”، والتي أكد فيها مضيه قدماً في “حملة الذهبي للحجاب الشرعي” داخل الكليات، معلناً حصوله على موافقات رسمية فوقية لتنفيذ نشاطات الدعوة السلفية وفرض النقاب في كليات جامعة دمشق، لاسيما كلية الطب، ومؤكداً تجهيزه لحملات إضافية قادمة وسط توجيه إساءات وتخوين لمن وصفهم بالعلمانيين وفلول النظام السابق.

ونشر “الذهبي” بيانات وتوثيقات تؤكد استمرار حملته الميدانية واستخدام طائرات التصوير المسير “الدرون” بمحاذاة الحرم الجامعي، مشيراً إلى أن نشاطاته تجري بالتنسيق والالتزام التام بما أسمي “قوانين الدولة”، مما كشف عن فجوة حادة وعميقة بين الخطاب الرسمي لجامعة دمشق والواقع المفروض ميدانياً بقوة السلاح.
هذا التناقض الفج يعكس بوضوح تراتبية النفوذ الجديدة في البلاد، حيث باتت صلاحيات النخب الجهادية الوافدة والمحسوبة على التيار المتشدد تفوق وتلغي سيادة رئاسة أعرق المؤسسات التعليمية، مما يضع البيان الجامعي في موضع العاجز عن حماية حرمه الأكاديمي أمام سطوة التدخلات العقائدية المدعومة مباشرة من القيادة الحاكمة.

وتقدم هذه الحادثة قراءة تحليلية واضحة للعمق الفكري الذي تتحرك من خلاله منظومة الأمر الواقع في دمشق؛ إذ تؤكد الوقائع أن محاولات التحديث الشكلي وتغيير المظهر الخارجي من خلال ارتداء البدلات الرسمية، ليست سوى قشرة سياسية مناورة لا تبدل من جوهر العقيدة المتطرفة التي يحملها الجولاني. وتسعى هذه السلطة بشكل ممنهج إلى إعادة صياغة المجتمع السوري وتدجينه وفقاً لنهج سلفي تكفيري إقصائي، يهدف إلى تدمير الحريات العامة والخاصة وتحويل العاصمة إلى بيئة أحادية الصبغة.

إن تمكين رموز التطرف من التحكم بالمنابر الجامعية وتوجيه السلوك العام داخل الحرم الأكاديمي يثبت أن هذه المنظومة تستخدم مقدرات الدولة ومؤسساتها كأدوات لتثبيت أركان حكمها الأيديولوجي، وفرض رؤيتها المتشددة على مجتمع عُرف تاريخياً بتعدديته واعتداله.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى