العقل الأمني الإسرائيلي وعودة نظرية المناطق العازلة: ماذا وراء التمسك بقلعة الشقيف؟
بقلم: د. هشام الأعور

لا يمكن قراءة إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي عن بقاء القوات الإسرائيلية في قلعة الشقيف ضمن ما سمّاه “المنطقة الآمنة” في لبنان باعتباره مجرد موقف عسكري مرتبط بظروف ميدانية مؤقتة. فمثل هذه التصريحات تكشف في العادة عن منطق أعمق يحكم التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وهو منطق يقوم على رؤية الأمن باعتباره عملية مستمرة لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بإسرائيل وليس مجرد الدفاع عن الحدود القائمة.
ففي العقيدة الأمنية الإسرائيلية لا تُقاس التهديدات عند الخطوط الفاصلة بين الدول، بل في المساحات التي يمكن أن تنشأ فيها مصادر الخطر قبل وصولها إلى الحدود. ومن هنا يمكن فهم دلالة التمسك بقلعة الشقيف، ليس فقط كموقع عسكري مرتفع، بل كجزء من تصور أوسع لإنتاج عمق أمني متقدم خارج الحدود الإسرائيلية.
الشقيف: الجغرافيا في خدمة الأمن
تحتل قلعة الشقيف موقعاً استثنائياً في جنوب لبنان. فهي تشرف على مساحات واسعة تمتد من وادي الليطاني إلى البقاع الغربي والجليل الأعلى، ما يمنحها قدرة مراقبة وسيطرة نارية واستخبارية تجعلها إحدى أهم النقاط المرتفعة في المنطقة.
لكن أهمية الشقيف بالنسبة للعقل الأمني الإسرائيلي لا تنبع فقط من ارتفاعها الجغرافي، بل من قدرتها على توفير ما تعتبره إسرائيل أحد أهم عناصر الأمن الحديث: الإنذار المبكر والسيطرة على المجال المحيط. فالموقع المرتفع لا يُنظر إليه كمجرد تلة عسكرية، بل كأداة لإدارة المخاطر والتحكم بمسرح العمليات المحتمل.
كما أن اختيار قلعة الشقيف يحمل بعداً رمزياً لا يقل أهمية عن بعدها العسكري. فالقلعة ارتبطت بمحطات مفصلية من تاريخ الصراع منذ اجتياح عام 1982 وحتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، ما يجعل أي حضور إسرائيلي فيها رسالة سياسية ونفسية موجهة إلى الداخل اللبناني وإلى البيئة الإقليمية في آن واحد.
١/عودة مفهوم المنطقة الآمنة
اللافت في التصريح الإسرائيلي ليس الحديث عن الشقيف بحد ذاته، بل إعادة استخدام مصطلح “المنطقة الآمنة”. فهذا التعبير يرتبط بتاريخ طويل من التفكير الأمني الإسرائيلي الذي سعى دائماً إلى خلق مساحات فاصلة بين إسرائيل ومصادر التهديد المحتملة.
ومنذ تأسيس الدولة العبرية شكّلت فكرة الأحزمة الأمنية والمناطق العازلة ركناً ثابتاً في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، سواء في جنوب لبنان أو في الجولان أو حتى في بعض المقاربات الأمنية تجاه قطاع غزة والضفة الغربية.
ولهذا يبدو أن العودة إلى هذا المصطلح تعكس توجهاً يتجاوز الاستجابة العسكرية الآنية، نحو محاولة إعادة صياغة الواقع الأمني على الحدود الشمالية بصورة أكثر انسجاماً مع المتطلبات التي تطرحها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
٢/الأمن عبر السيطرة على البيئة
تكشف التجربة الإسرائيلية أن مفهوم الأمن لا يقتصر على حماية الحدود، بل يمتد إلى إدارة المجال المحيط بها. فالعقل الأمني الإسرائيلي يقوم على فرضية أساسية مفادها أن إزالة التهديدات أكثر فاعلية من انتظار مواجهتها عند الحدود.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم التمسك بمواقع استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية باعتباره جزءاً من سياسة تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة:
أولاً، إبعاد مصادر الخطر المحتملة عن الحدود الإسرائيلية وخلق مسافة أمنية إضافية تمنح الجيش الإسرائيلي وقتاً أطول للاستجابة.
ثانياً، امتلاك أوراق ضغط ميدانية يمكن استخدامها في أي ترتيبات أو مفاوضات مستقبلية تتعلق بالحدود أو الأمن أو مستقبل الجنوب اللبناني.
ثالثاً، تعديل قواعد الاشتباك التي سادت منذ عام 2000، بحيث لا تبقى الحدود الدولية هي خط الدفاع الوحيد، بل تصبح هناك مناطق نفوذ أو سيطرة أمنية متقدمة تتيح لإسرائيل التدخل المباشر عند الحاجة.
٣/ قلعة الشقيف في سياق الصراع الإقليمي
لا ينظر صانع القرار الإسرائيلي إلى جنوب لبنان باعتباره جبهة منفصلة عن بقية الملفات الإقليمية. فالأمن في العقيدة الإسرائيلية يرتبط بشبكة متداخلة من التهديدات تشمل النفوذ الإيراني، ومسارات التفاوض الإقليمية، والتحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
ولهذا فإن أي تمسك بموقع استراتيجي كقلعة الشقيف لا يُقرأ فقط في إطار المواجهة اللبنانية الإسرائيلية، بل كجزء من رؤية أشمل تسعى إلى إعادة هندسة البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل بما يضمن لها هامشاً أوسع من المبادرة والردع.
وفي هذا السياق تزداد أهمية التقارير التي تتحدث عن أن التوغل الإسرائيلي الحالي يُعد الأعمق داخل الأراضي اللبنانية منذ أكثر من ربع قرن، بالتزامن مع تكرار الحديث الإسرائيلي عن إنشاء “منطقة أمنية” جديدة، وهو ما يثير مخاوف من تحول الوقائع العسكرية المؤقتة إلى ترتيبات أكثر استدامة.
٤/ من الاحتلال إلى السيطرة الذكية
لا يبدو أن إسرائيل تسعى بالضرورة إلى إعادة إنتاج نموذج الاحتلال التقليدي الذي عرفه جنوب لبنان قبل عام 2000. فالعقائد العسكرية المعاصرة تميل إلى أنماط أكثر مرونة وأقل كلفة تقوم على السيطرة بالنار، والهيمنة الاستخبارية، والتحكم بالممرات الحيوية، وإدارة المجال العملياتي من دون الحاجة إلى انتشار واسع أو إدارة مباشرة للسكان.
بمعنى آخر، فإن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم يعد يتطلب دائماً احتلال الأرض بالمعنى الكلاسيكي، بل القدرة على التحكم بما يجري فوقها وحولها وعبرها.
٥/التحدي اللبناني
تكمن خطورة هذا المسار في أنه ينقل النقاش من قضية موقع عسكري محدد إلى قضية تتعلق بطبيعة السيادة نفسها. فاستمرار الحديث عن مناطق آمنة أو أحزمة أمنية يفتح الباب أمام أسئلة تتصل بمستقبل القرى الحدودية، وعودة السكان، ودور الدولة اللبنانية، وفعالية القرارات الدولية، وإمكانية تثبيت وقائع ميدانية تتحول تدريجياً إلى معادلات سياسية طويلة الأمد.
ومن هنا فإن جوهر المسألة لا يتمثل في قلعة الشقيف وحدها، بل في الرؤية الأمنية التي تقف خلف التمسك بها.
خاتمة
يكشف الجدل الدائر حول قلعة الشقيف أن إسرائيل لا تدير صراعها مع محيطها انطلاقاً من ردود فعل ظرفية فقط، بل من خلال عقل أمني يسعى باستمرار إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها بما يخدم مفهومها الخاص للأمن.
غير أن التجارب التاريخية المتراكمة في المنطقة أظهرت أن الأمن الذي يُبنى على السيطرة العسكرية وحدها يبقى محدود القدرة على إنتاج استقرار دائم. فالمناطق العازلة والأحزمة الأمنية قد تؤخر التهديدات أو تعيد توزيعها، لكنها لا تعالج جذور النزاعات السياسية والسيادية التي تولدها.
ولهذا تبقى المعضلة الأساسية في الشرق الأوسط قائمة: فكلما سعى طرف إلى توسيع أمنه عبر توسيع نطاق قوته، ازداد شعور الطرف الآخر بالتهديد، لتدخل المنطقة مجدداً في دورة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار.



