ملفات ساخنة

طوق إقليمي يلوح في الأفق.. انهيار اقتصادي يعيد صياغة المشهد السوري من الجنوب!

تشهد العاصمة السورية دمشق تحولات سياسية ودبلوماسية متسارعة تؤشر على بدء انحسار الدور الوظيفي للمجموعات التي تهيمن على المشهد العسكري والسياسي، حيث اتخذت قوى إقليمية وازنة خطوات حاسمة تعكس انقلاباً جذرياً في التعاطي مع سلطة الأمر الواقع الحالية. وفي مقدمة هذه المؤشرات الفاصلة، قررت جمهورية مصر العربية طرد البعثة الدبلوماسية التابعة لهذه السلطة، معلنةً في الوقت ذاته دعمها المباشر لمشروع الجنرال مناف طلاس الرامي إلى بناء جيش سوري وطني حقيقي ومتعدد المكونات.

بالتزامن مع ذلك، قامت المملكة العربية السعودية بسحب سفيرها من دمشق في خطوة علنية لإنهاء التفاهمات مع الجولاني، في وقت بدأت فيه الدولة التركية –التي تعد اللاعب الأهم على الساحة السورية– بالتعامل مع هذه المنظومة الحاكمة باعتبارها عبئاً استراتيجياً وأمنياً كبيراً لم يعد بالإمكان تحمله.

تأتي هذه العزلة الدبلوماسية المتسارعة لتزيح الستار عن طبيعة البنية الحاكمة في دمشق، والتي تسيطر عليها خلفيات سلفية جهادية وتكفيرية متطرفة، حيث يشغل عناصر وقادة سابقون ينتمون لتنظيم داعش مفاصل أساسية وحيوية في الأجهزة العسكرية، السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الأمنية والخدمية بكافة الأراضي السورية. ورغم الوعود والالتزامات التي قطعها الجولاني للدول الإقليمية بضبط الأمن والأمان قبيل إطلاق معركة “ردع العدوان” التي خُدع بها الشعب السوري، إلا أن الوقائع على الأرض عكست نكوصاً تاماً وفشلاً ذريعاً في تنفيذ أي شرط من تلك الشروط؛ بل على العكس من ذلك، تعمقت الأزمة بعد أن تحولت البلاد إلى ساحة للصراعات الطائفية نتيجة استمرار رهان السلطة على اللعب على الوتر الطائفي لتمديد عمرها في سدة الحكم.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تواجه سوريا مؤشرات انهيار شامل ووشيك تحت وطأة هذه الإدارة المأزومة؛ فبعد مضي أكثر من سنة وثمانية أشهر على استلام زمام الدولة، لم يتدفق دولار واحد من الخارج إلى الخزينة العامة، في حين تشير البيانات المؤكدة إلى أن أكثر من 90% من رواتب الفصائل المسلحة لا تزال تُدفع مباشرة من الدول الخارجية الداعمة، مما يثبت غياب أي رؤية أو بنية اقتصادية حقيقية. هذا الشلل التام أفرغ عملية عودة اللاجئين –التي تلت إقرار الدول بإنهاء حكم النظام السابق– من مضمونها، ليعود ملف اللجوء والتدفق إلى نقطة الصفر دون أي تغيير حقيقي على أرض الواقع.

وفي سياق متصل بالدعم الخارجي، أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعيين سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، توم باراك، مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا والعراق، موجة من التفاعلات التي كشفت هشاشة المكونات الإسلامية وارتباطها بالمشاريع الخارجية. إذ شهدت الساعات الأربع والعشرون الماضية صراع لوبيات خفياً في واشنطن، تجسد في صدور ثلاثة توضيحيات متتالية بين وزير الخارجية الأمريكي والرئيس ترامب بشأن باراك، وهو أمر يعكس غياب الإجماع داخل المؤسسات الأمريكية حول شخصية يرى فيها كثيرون طرفاً مدافعاً عن الرؤية التركية ومشروع الإسلام السياسي في سوريا، والمسؤول عن تحويل البلاد إلى طوائف متناحرة لنقلها إلى حسابات واشنطن. وقد انعكس هذا الارتباك مباشرة على النشاط الإعلامي للتيارات الإسلامية التي عاشت تخبطاً واضحاً واختفت عن المشهد مع أنباء استبعاده الأولى، قبل أن تعود للاحتفاء بتعيينه مبعوثاً، مما يؤكد ارتهان مصير مشروع الإخوان المسلمين والتيارات الجهادية بالكامل بوجود مشغل خارجي.

وسط هذا الانسداد السياسي والاقتصادي والأيديولوجي في العاصمة، تتجه الأنظار مجدداً إلى الجنوب السوري، حيث تبرز مدينة السويداء كمرشح أساسي لتكون المكان الآمن والنواة الصلبة للحكومة القادمة البديلة في سوريا. ويبدو أن قدر الجغرافيا والتاريخ السوري يتجدد اليوم من جبل الدروز؛ فمثلما صنعت محطات التاريخ الكبرى زعامة سلطان باشا الأطرش، يعيد المشهد إنتاج نفسه من خلال الدور المحوري الذي يصنعه الشيخ حكمت الهجري اليوم في قيادة التغيير الوطني الحقيقي. إن القراءة التحليلية للمشهد الراهن تؤكد الحقيقة الراسخة بأن حركة التغيير السوري تبدأ دائماً من الجنوب، وفي الجنوب يصاغ المآل النهائي والخلاص الحقيقي للدولة السورية.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى