ملفات ساخنة

من خنادق التكفير إلى كراسي التوزير: الهشاشة المعرفية تعري منظومة الحكم في دمشق

تتكشف يوماً بعد آخر ملامح الكارثة الإدارية والثقافية التي تعيشها العاصمة السورية، معريةً عمق الهشاشة الفكرية لمنظومة حكم الأمر الواقع التي يتزعمها أبو محمد الجولاني. ففي أحدث الشواهد على هذا التردي المؤسساتي، أثار لقاء إعلامي أخير لوزير الإدارة المحلية موجة من الاستهجان، بعدما اعتبر أن مشكلة الفساد في البلاد لا تكمن في سلوك الفاسدين، بل في طبيعة القوانين الناظمة؛ متذرعاً بوجود مرسوم يمنع إقامة الصناعات، وزاعماً بلسانه حرفياً: “ان هناك مرسوم يمنع اقامه الصناعات هذا ايش عم يؤدي.. ان هذا صاحب الصناعه يذهب الى هذا ابو المجلس ويقوم بدفع رشوه للموظف ابو 10,000 دولار ويقول بمشيها ولا ما بمشيها بيمشي ابوها”.

هذا المنطق واللغة السوقية التي تحدث بها المسؤول تكشف عن جهل فاضح ببدائيات العمل المؤسسي؛ فالقانون السوري لا يمنع الحراك الصناعي مطلقاً، بل ينظم بيئته ويمنع إقامة المنشآت الصناعية داخل المخططات السكنية والمدن لحماية المواطنين وصحتهم. وتظهر هذه المقاربة القاصرة عجز هذه الشريحة الحاكمة عن التفريق بين مفهوم “النظام السياسي” ومفهوم “الدولة”؛ فالقوانين والأنظمة التي قامت عليها الدولة السورية بنيت عبر عقود على أسس علمية وتنظيمية دقيقة، في حين تكشف عقلية المسؤولين الحالية عن فجوة معرفية تبرر الجريمة الإدارية والرشوة بدلاً من محاسبة مرتكبيها.
ولا يبدو هذا السقوط الإداري مجرد هفوة عابرة، بل هو نتاج طبيعي لسياسة التعيينات العشوائية التي تنتهجها سلطة الجولاني منذ بسط سيطرتها على دمشق في أواخر عام 2024. إذ تهيمن هيئة تحرير الشام على مفاصل القرار عبر تصدير قيادات وعناصر يفتقرون لأدنى المؤهلات الجامعية أو الخبرات المهنية، حيث تحول أشخاص من مهن حرة بسيطة، كإصلاح الإطارات (كومجي)، مباشرة إلى سدة الوزارات وإدارة شؤون البلاد والعباد.

وللتغطية على هذا الفقر العلمي والمهني، عمدت السلطة الحالية إلى شرعنة مؤهلات وهمية عبر “جامعة سرمدا” في إدلب الخاضعة لسيطرتها، والتي باتت بمثابة مصنع لمنح الشهادات الأكاديمية العليا لمسلحي وقادة الهيئة دون التزام بأي معايير دراسية أو حضور فعلي، لتصبح هذه المنظومة التعليمية الزائفة الأداة المفضلة لـ”تسويق” الشخصيات غير المؤهلة وتمكينها من إدارة مؤسسات الدولة الحيوية.
إن هذا التجريف الممنهج للكفاءات السورية واستبدالها بعناصر موالية يجسد بوضوح جوهر النهج السلفي التكفيري الذي تنطلق منه تحرير الشام؛ وهو نهج يقوم على مبدأ الولاء العقائدي الأعمى وإقصاء الكوادر الوطنية المؤهلة، مفضلاً الاعتماد على “أهل الثقة” من المقاتلين على حساب الكفاءة والخبرة. وفي المحصلة، فإن ما تشهده المؤسسات اليوم في دمشق ليس سوى ترجمة عملية لعقلية فصيل مسلح يحاول إدارة دولة عريقة بأدوات الهواة وسلطة السلاح، محولاً العمل الحكومي إلى ساحة للارتجال والجهل القانوني المقنع بالشهادات المزورة.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى