حصار اقتصادي بـ”عباءة أيديولوجية”: مزارعو الساحل السوري بلا ثمن لمحصول التبغ

تواجه زراعة التبغ في الساحل السوري، والتي تُعد الشريان الاقتصادي والوجودي الأبرز لأبناء المنطقة من الطائفة العلوية، تهديداً مباشراً بالانهيار نتيجة سياسات الحصار المالي غير المعلن التي تنتهجها السلطة الحاكمة في دمشق. وأفاد مزارعون من أصحاب الرخص النظامية بأنهم قاموا بتسليم محصولهم بالكامل إلى المراكز الرسمية لمؤسسة “الريجة” منذ مطلع شهر آذار الماضي، ودون أن يتقاضوا ليرة واحدة من مستحقاتهم المادية المترتبة على الدولة حتى اليوم، في سلوك يعكس غياباً تاماً للتوضيح من قِبل مسؤولي المؤسسة الذين يكتفون بالإشارة إلى عدم امتلاكهم أي معلومات أو صلاحيات بشأن مواعيد الصرف.
هذا الانقطاع المالي غير المسبوق، والذي كان لا يتجاوز العشرين يوماً في المواسم السابقة، يجاوز السلوك الإداري العابر ليرتبط ارتباطاً وثيقاً بالخلفية الفكرية الأيديولوجية التي تُدار بها البلاد؛ حيث تعكس هذه الممارسات امتداداً للفكر التكفيري السلفي الإقصائي الذي تتبناه السلطة، والذي يرى في التضييق الاقتصادي على المكونات السورية الأصيلة والنوعية أداة لتقويض صمودهم وإخضاعهم بأساليب غير مباشرة تؤدي إلى تجفيف مصادر رزقهم الوحيدة وإغراقهم في ديون باهظة تراكمت لتغطية تكاليف الإنتاج الأساسية.
وتكشف هذه الواقعة عن نمط متكامل من التهميش المتعمد الذي يطال الأقليات والمكونات السورية تحت وطأة هذا الفكر المتطرف، حيث يجري استغلال مؤسسات الدولة الحيوية مثل مؤسسة التبغ كأدوات عقاب جماعي بدلاً من كونها مؤسسات خدمية. إن تجميد أموال الفلاحين وحبس لقمة عيشهم لا يقف عند حدود الأزمة المعيشية، بل يمثل ترجمة عملية لسياسة الاستعلاء الفكري الإقصائي التي تصنف المجتمع وفق اعتبارات أيديولوجية ضيقة، مما يضع الموسم الزراعي الحالي بأكمله وعشرات الآلاف من العائلات أمام كارثة اقتصادية محققة تهدف إلى التغيير البنيوي عبر الإفقار الممنهج.


