كرمى لأعين السفارات والمنظمات الدولية وغير الحكومية: الحكومة تبيع أمن اللبنانيين لـ«ستارلينك»
زينب بزي - الأخبار
في ظل الظروف الأمنية والعسكرية «الحساسة» التي يمر بها لبنان، يعود ملف خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية «ستارلينك» إلى الواجهة من باب تجاوز الأصول والضوابط التنظيمية والأمنية. فقد وافق مجلس الوزراء على اقتراح وزير الاتصالات شارل الحاج، بتوسيع ترخيص الخدمات التجارية التي تقدّمها شركة «ستارلينك» من دون التقيّد بقرارات الهيئة المنظمة للاتصالات التي تفرض عليها شروطاً تقنية وضوابط أمنيّة، وذلك بذريعة الضرورات الاستثنائية المبنية على طلبات من السفارات والمنظمات الدولية وغير الحكومية أيضاً.
وبحسب قرار مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة، فإن الحاج طلب توسيع نطاق الترخيص الممنوح لشركة «ستارلينك – لبنان»، حتى يتاح لها بيع خدماتها إلى الجهات الحكومية والسفارات والمنظمات غير الحكومية. وجاء هذا الاقتراح على خلفية ما وصفته الوزارة بـ«الظروف الاستثنائية» التي تمرّ بها البلاد، إضافة إلى زعمها تلقي طلبات من جهات رسمية وسفارات ومنظمات للاستفادة من الخدمة خشية انقطاع الإنترنت في لبنان، رغم أنّه حتى الساعة لم يشهد لبنان أي انقطاع حتى في المناطق التي تتعرض بشكل متواصل إلى العدوان الإسرائيلي. وبالفعل وافق مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة على اقتراحات الوزارة، طالباً من الهيئة المنظمة للاتصالات العمل على إضافة بند بحيث يسمح لستارلينك بيع وتسويق وبرمجة وصيانة وخدمات الإنترنت للجهات الحكومية والسفارات والمنظمات غير الحكومية.
هذه الخطوة تثير إشكالية أساسية تتعلق بالضوابط الأمنية التي يفترض أن تحكم تشغيل هذه الخدمة. فما ورد في الملف المرفوع إلى مجلس الوزراء من الحاج، يتضمن إقراراً بأنّ تشغيل «ستارلينك» في لبنان يرتبط بمجموعة من الترتيبات الأمنية، أبرزها إنشاء مركز للتحكم الأمني يجري العمل على تركيبه في قطر، على أن يكون هذا المركز جزءاً من منظومة مراقبة حركة البيانات المرتبطة بالخدمة. ومع ذلك، وافقت الحكومة بشكل صريح على تكليف وزارة الاتصالات لأخذ الموافقات الأمنية من أجل السماح باستخدام الخدمة قبل إنجاز هذا المركز المتوقع بحلول نهاية شهر أيار.
في حال قرّرت الحكومة تخطّي موافقة الهيئة المنظمة للاتصالات ستعطي العدوّ ضوءاً أخضر بقصف البنية التحتية للاتصالات
الأمر لا يتوقف عندّ هذا الحد. فقرار الهيئة الناظمة للاتصالات رقم 2، الذي حدّد الشروط التقنية والتشغيلية لمنح الترخيص، يتضمن مادة أساسية تتعلق بالشق الأمني. تنصّ المادة العاشرة من هذا القرار على مجموعة من الالتزامات المفروضة على الشركة، أبرزها الامتثال الكامل لمتطلبات الأمن القومي اللبناني وتنفيذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية الشبكة والخدمات وضمان خصوصية البيانات الشخصية للمستخدمين. وتشمل هذه الشروط أيضاً آلية محددة لتوجيه وتخزين البيانات، إذ يفرض القرار نسخ حركة بيانات مستخدمي «ستارلينك – لبنان» بشكل آني ومستمر على خوادم تابعة لهيئة أوجيرو موجودة في قطر. ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ تنص الشروط أيضاً على ضرورة تمكين الفريق المكلّف من الهيئة المنظمة للاتصالات من الوصول إلى معدات هيئة أوجيرو المثبتة في قطر وتفقّدها، إضافة إلى تقديم الدعم الفني الكامل للأجهزة الأمنية اللبنانية للوصول إلى الشبكة عند الحاجة، بما يتوافق مع متطلبات الأمن القومي والقوانين المرعية الإجراء.
انطلاقاً من هذه الشروط، يبرز التناقض في المسار الذي يجري الدفع به حالياً. فالتوسع في استخدام الخدمة ليشمل جهات حكومية وسفارات ومنظمات غير حكومية يجري في وقت لم تُستكمل فيه بعد البنية الأمنية المفترض أن تضمن مراقبة حركة البيانات وضبطها، ولا سيما أن مركز التحكم الأمني لم يُنجز بعد.
وفي بلد لطالما اعتُبر فيه قطاع الاتصالات قطاعاً سيادياً حساساً، تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية. فخدمة «ستارلينك» لا تمر عبر البنية التحتية الأرضية اللبنانية التقليدية، بل تعتمد على شبكة أقمار صناعية تديرها شركة خاصة خارج البلاد، ما يعني أنّ جزءاً من حركة الاتصالات والبيانات سيجري حتماً بعيداً عن الشبكة الوطنية التي تخضع عادة لرقابة الدولة.
ويفترض أن تؤدي الهيئة المنظمة للاتصالات دوراً حاسماً في هذه المسألة، أي لا يفترض أن توافق على طلب التعديل أو تبريره حتى، وإلا ستكون هي نفسها مجرّد شكل إداري غبي، كما أن ذلك يعني أنها تخلّت عن كل المبادئ التي تدّعي أنها تطبّقها، خصوصاً أنّ الجهات التي يُتذرع بها هي جهات حكومية وسفارات ومنظمات غير حكومية، أي أنها تملك بيانات كبيرة عن المقيمين في لبنان وستحصل عليها شركة أجنبية خاصة بلا أي رقابة أو سيطرة. وفي حال قرّرت الحكومة تخطّي موافقة الهيئة، ستقدّم للعدو الإسرائيلي ضوءاً أخضر بقصف البنى التحتية للاتصالات.
هذه الخطوة غير المسؤولة تطرح مخاطر جدية تتعلق بإمكانية مراقبة البيانات، ضبط الاتصالات في حالات الطوارئ وحماية الأمن القومي، خصوصاً إذا تحوّلت هذه الخدمة تدريجياً إلى بديل واسع الانتشار عن الشبكات المحلية. وفي بلد تُدار فيه الملفات الحساسة غالباً بمنطق الاستثناءات والقرارات السريعة وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة، يصبح هذا التوسع قراراً لا يحمل فقط أبعاداً تقنية أو اقتصادية كارثية، بل تداعيات أمنية مباشرة في لحظة هي الأكثر حساسية في تاريخ البلاد، خصوصاً أنّه وحتى اللحظة الراهنة لا يوجد أيّ مبرر للمضي بهكذا قرارات «غبّ الطلب».



