لم تكن لحظة دخول “أحمد الشرع” (الجولاني) إلى دمشق في أواخر عام 2024، عقب سقوط النظام السابق، سوى بداية لعد تنازلي لم يدرك فصوله إلا حين اصطدمت أوهام “الإمارة” بصخرة المجتمع الدولي وقوانين الاقتصاد المحرمة على الهواة. اليوم ، وفي قراءة لواقع التداعي الذي تعيشه سلطة الأمر الواقع في العاصمة السورية، يتضح أن السقوط لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان سقوطاً أخلاقياً واقتصادياً مدوياً تحت وطأة “الجوع” الذي لا يحيد عن بوصلته.
لقد وقع الشرع في فخ “الطبيعة الكرنفالية” التي طبعت سلوكه السياسي، فاستعجل حجز مقعد في التاريخ عبر رفع سقف الوعود إلى مستويات خيالية ؛ من قطارات سريعة تربط دمشق بحلب ، إلى مطارات بمليون وظيفة ، وجوازات سفر تنافس الدول المتقدمة.
لكن الحقيقة المرة التي واجهها السوريون هي أن هذه المشاريع لم تكن سوى “ضحك على اللحى”، فميزانية البلاد التي كانت في 2010 تتجاوز 17 مليار دولار ، تلاشت لتصبح مجرد أرقام هزيلة لا تكفي لبناء محطة مترو واحدة، في بلد يحتاج تريليون دولار لإعادة إعماره.
إن المعضلة الأساسية التي أطاحت بهذا النظام الأقلوي الديكتاتوري تكمن في ظنه الواهم بإمكانية الجمع بين منظومة “الإمارة” التي تصادر الحياة السياسية وتحتكر الاقتصاد لصالح “ولي الأمر” وذويه ، وبين نيل اعتراف دولي وتدفق استثمارات أجنبية.
لقد تناسى هؤلاء أن المجتمع الدولي ، وبغض النظر عن الخلفية الأيديولوجية للحاكم ، لا يمنح الشرعية ولا يرفع العقوبات المجدولة زمنياً إلا بوجود منظومة حكم حقيقية تقوم على الرقابة، الشفافية، المؤسسات، والمجتمع المدني؛ وهي معايير حققتها دول مثل تركيا فنهضت، بينما فشل فيها الشرع الذي حاول إعادة تدوير رموز الفساد والمحسوبية.
ومع استمرار احتكار الاقتصاد لجيوب النخبة الحاكمة، وتحول ملف “الأموال المنهوبة” إلى مجرد تسويات مالية تتقاسمها السلطة مع لصوص العهد الماضي، وجد المواطن السوري نفسه أمام واقع معيشي كارثي.
فالنفط الذي رُوّج له كأمل منقذ، لا تتجاوز عوائده الصافية مليار دولار سنوياً بعد اقتطاع حصص الشركات المشغلة، وهو مبلغ لا يغطي كلفة شراء الغاز أو سداد فواتير الكهرباء المستوردة، مما دفع السلطة للعودة مجدداً إلى جيوب الشعب المنهكة لتمويل بقائها.
إن هذا النظام، الذي لا يمثل في جوهره إلا فئة ضيقة من “هيئة تحرير الشام”، فشل في أن يكون جامعاً للسوريين، بل تعمد سياسة “فرق تسد” لإقصاء الأغلبية الصامتة من مدنيين بمختلف انتماءاتهم الطائفية والعرقية.
واليوم، مع انكشاف حقيقة العجز عن تنفيذ الوعود ، يثبت الواقع أن الجوع كان ولا يزال المحرك الأساسي لإسقاط الديكتاتوريات ، وأن الاستثمار في الأوهام لا يبني دولة ، بل يعجل بالنهاية المحتومة لمن اغتصب السلطة وظن أن دمشق تُحكم بعقلية الغنائم.



