
في تصريح يمكن اعتباره الأكثر وضوحاً، حتى الآن، حول مصير الوجود العسكري التركي في سوريا، أعلن وزير الدفاع، يشار غولر، أن قوّات بلاده باقية هناك حتى زوال «التهديد الإرهابي» بشكل كامل وضمان أمن الحدود، معتبراً أن هذَين شرطان «يجب أن يتوفّرا» للانسحاب. وتجنّب غولر، في تصريحاته إلى وكالة «فرانس برس» والتي ترافقت مع إعلان الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أنه سيزور دمشق قريباً، الكشف عن العدد الحالي للجنود الأتراك في سوريا، أو عن وجود خطط غير معلنة لإنشاء قواعد أو إعادة انتشار. وتأتي هذه التصريحات على وقع احتدام التنافس التركي – الإسرائيلي على النفوذ؛ إذ ترفض تل أبيب أيّ تمدّد تركي نحو جنوب البلاد، وهي من أجل ذلك قصفت مواقع عسكرية في حمص وسطاً، وقرب إدلب في الشمال الغربي، كانت أنقرة تستعدّ لتحويلها إلى مقرّات عسكرية، تهدف إلى «تدريب قوّات الجيش السوري الناشئ»، بحسب قولها.
وفي ظلّ غياب إحصاءات مؤكّدة حول عدد الجنود الأتراك في سوريا، تشير تقديرات صحافية تركية إلى أن عددهم، قبيل سقوط النظام السابق، تَراوح بين 16 و18 ألفاً، توزّعوا على مواقع عدّة في الشمال والشمال الغربي، أبرزها إدلب وأعزاز وعفرين (ريف حلب)، وتل أبيض (الرقة)، ورأس العين (الحسكة)، إلى جانب حضور أمني في دمشق ونفوذ سياسي غير مسبوق. ورغم الخطاب التركي الذي يؤكد الحرص على «وحدة» سوريا وينفي وجود أيّ أطماع فيها، تشير المعطيات على الأرض إلى استمرار عمليات التتريك في شمال البلاد. وتبرز أعزاز، في ريف حلب الشمالي، باعتبارها النموذج الأوضح لهذا المسار الذي ترسّخ خلال سنوات الحرب؛ إذ لم يقتصر النفوذ التركي فيها على الوجود العسكري ودعم الفصائل، بل امتدّ إلى قطاعات مدنية وخدمية واسعة. ومن بين وجوه ذلك، افتتاح «مؤسسة البريد التركية» (PTT) مراكز لتحويل الأموال ودفع الرواتب، واعتماد السكان الليرة التركية في جانب كبير من معاملاتهم اليومية، وربط قطاعات التعليم والصحة والكهرباء بالمؤسّسات التركية، فضلاً عن عمل المجالس المحلّية بتنسيق مباشر مع ولاية كيليس ومؤسّسات حكومية تركية أخرى.
قد تشكّل زيارة إردوغان مدخلاً إلى توقيع اتفاق يمنح الوجود التركي غطاءً قانونياً جديداً
ورغم عودة مؤسّسات الحكومة المركزية إلى الشمال بعد سقوط النظام السابق، لم تعلن دمشق أو أنقرة أيّ خطّة لإنهاء تلك الروابط أو استبدالها بمنظومة إدارية ونقدية سورية موحّدة. فلا تزال مظاهر الاعتماد على العملة والخدمات والبنية التحتية التركية حاضرة، وإن بدرجات متفاوتة، ما يجعل إعادة دمج أعزاز إدارياً واقتصادياً، أعقد من مسألة حلّ الفصائل أو تغيير تبعية المجالس المحلّية. ويطرح ذلك سؤالاً حول ما إذا كانت أنقرة مستعدّة فعلاً لتفكيك منظومة نفوذها السابقة، أم أنها تعمل على إعادة تنظيمها تحت مظلّة علاقتها الجديدة بدمشق، خصوصاً أنها ضحّت بالفصائل التي دعمتها لمصلحة رعايتها الوثيقة للسلطات الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، الذي يعمل على حلّ التشكيلات المسلّحة ودمجها في الجيش الناشئ.
ويفتح استمرار هذا النفوذ -الذي من المفترض أن سقوط النظام السابق وصعود حليف استراتيجي (الشرع) إلى سدّة الحكم أسقطا ذريعة استمراره- الباب على مصراعَيه أمام تساؤلات عدّة، لا سيما بعد ربط الوجود العسكري بـ«القضاء على الإرهاب». فالاتفاق الموقّع بين الشرع وقائد «قسد» -التي تعدّها أنقرة امتداداً لـ«حزب العمال الكردستاني» وتصنّفها «منظمة إرهابية»- من شأنه أن يُسقط تلك الحجّة، في وقت أكملت فيه الولايات المتحدة، التي تذرّعت طويلاً بمحاربة تنظيم «داعش»، انسحابها من سوريا في نيسان الماضي، بتسليمها قاعدة قسرك في ريف الحسكة، آخر قواعدها هناك. ومذّاك، اقتصر نشاطها على طلعات جوية متفرّقة وعمليات اغتيال لشخصيات مرتبطة بالتنظيم، كان آخرها، بحسب ما أعلنت «سنتكوم»، غارة في ريف إدلب في 19 حزيران، قُتل فيها القيادي في «داعش» علي حسين العليوي، علماً أن الشرع انضمّ، في تشرين الثاني من العام الماضي، إلى «التحالف» الذي تقوده واشنطن لمحاربة التنظيم.
ولا تقتصر الضبابية المتّصلة بالوجود التركي على عديد القوّات ومواقع انتشارها، بل تمتدّ إلى الأساس القانوني لوجودها؛ إذ تتحدّث مصادر تركية عن مباحثات مستمرّة مع دمشق لتنظيم وضعها، من دون الإعلان عن اتفاق دفاعي أو نشر وثيقة تحدّد عديدها ومهامها ومدّة بقائها. ويعني ذلك أن التدخّل الذي بدأ عبر عمليات عسكرية أحادية قد يكون في طريقه إلى التحوّل إلى انتشار طويل الأمد بموافقة السلطات الانتقالية، التي تكرّر تمسّكها بوحدة الأراضي السورية وتطالب بانسحاب قوّات الاحتلال الإسرائيلية، من دون أن تُطالب، حتى الآن، بجدول زمني لانسحاب القوّات التركية، أو أن تكشف طبيعة التفاهمات التي تنظّم وجودها.
في هذا السياق، تأتي زيارة إردوغان المرتقبة لدمشق لتتوّج مساراً طويلاً نجحت خلاله أنقرة في تجذير نفوذها السياسي والعسكري والأمني في جارتها الجنوبية، سواء بشكل مباشر عبر الانتشار العسكري، أو غير مباشر عبر التنسيق مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والسفير الأميركي لدى تركيا، توماس برّاك، الذي يبارك ذلك النفوذ ويدعمه. ولربما تشكّل هذه الزيارة مدخلاً إلى توقيع اتفاق أمني أو دفاعي يمنح الوجود التركي غطاءً قانونياً جديداً -تحت مسمّى تدريب الجيش أو غيره-، من دون سقف زمني معلن له أو رقابة سورية على شروطه.



