ملفات ساخنة

هل يبقى «لبنان الكبير» إذا طار الجنوب؟

طوني عيسى - الجمهورية

عندما أعلن الجنرال غورو نشوء «لبنان الكبير» في العام 1920، من على درجات قصر الصنوبر، لم يكن الرصيد الجغرافي والديموغرافي للجمهورية الوليدة مجرد تجميع عشوائي للأقضية. وكان انضمام جبل عامل بمثابة التكثيف الكياني الذي منح لبنان فرادته الميثاقية، إذ أدخل المكوّن الشيعي التاريخي في قلب الصيغة التأسيسية. ومعه تحول ذلك الجبل من مجرد «طرف» في الجغرافيا إلى ركيزة حيوية للتوازن الوطني. و​اليوم، وبعد أكثر من قرن على هذه اللحظة التأسيسية، يقف الكيان اللبناني أمام سؤال وجودي: هل يبقى «لبنان الكبير» قابلاً للحياة إذا ما اقتُطع جبل عامل وسائر الجنوب؟

​حتى اليوم، خسر لبنان 6% من مساحته في عمليات التوغل العسكري الإسرائيلي، وفق ما نشر معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل. وعلى الأرجح، هذه الخسارة تمثل نقطة البداية في مسار ما زال يتسارع يوماً بعد يوم. وامتناع «حزب الله» عن مراجعة هذا المسار الانتحاري، الذي دفع بلبنان إليه منذ تشرين الأول 2023، لا يهدّد فقط بضياع المدن والقرى الواقعة جنوب «الخط الأصفر» أو نهر الليطاني، بل يفتح الأبواب لمشروع اقتطاع تدريجي قد يصل إلى نهر الأولي.

​وللتذكير، خط ​الأولي هو الحدود الإدارية والسياسية الفاصلة بين محافظتي جبل لبنان والجنوب. والتقدّم الإسرائيلي إليه يعني ضياعاً كاملاً لمحافظتي الجنوب والنبطية، بما تمثلان من ثقل ديموغرافي وسياسي للمكون الشيعي التاريخي. وهذا الضياع من شأنه أن يُفرغ فكرة «لبنان الكبير» من مضمونها الميثاقي، ويجعل من الكيان «الكبير» نسخة «مصغّرة» عن لبنان آخر.

​هنا يجدر التوقف عند حقائق ساطعة، وتحديداً عند بلاغة «حزب الله» السياسية، التي باتت تكشف مقداراً فاقعاً من التناقض بين خطابه الموجّه إلى الداخل وواقع الميدان الجنوبي الذي يفرضه الانغماس في الحرب العبثية. فـ«الحزب» يواصل ضخ «بروباغندا» التحذير من مشاريع «الفيدرالية» أو «الكونفدرالية»، باعتبارهما «تقسيماً مقنّعاً» للبنان، والهدف هو محاولة تخوين الخصوم وترهيبهم، واستمرار الإمساك بالقرار في سلطة شديدة التمركز.

لكن «الحزب»، في الوقت عينه، يتمادى بجرأة كاملة في ارتكاب أفدح خطأ بحق الكيان اللبناني، ولا يعرّضه للتقسيم فحسب، بل للاقتطاع والابتلاع في الدرجة الأولى. وهو من خلال إصراره على ربط الجنوب بنزاعات المحاور الإقليمية، يقدّم لإسرائيل ذريعة وفرصة ذهبية للتوغل جنوباً بمقدار ما تريد، والسيطرة على أجزاء حيوية من هذا الـ«لبنان الذي كان كبيراً». وفي عبارة أخرى، «الحزب» يقدّم الجنوب هدية سهلة إلى إسرائيل. و​المعادلة هنا جليّة بمقدار ما هي مؤلمة: مَن يرفع شعارات وحدة الكيان في مواجهة الاحتلال والتقسيم، هو نفسه على أرض الواقع مَن يُسهّل تقطيعه ويوفّر ظروف ابتلاعه، علماً أنّه في هذا الكيان، يبقى الطرف الوحيد الذي يقيم دولة داخل الدولة، ويخرق مؤسساتها بنفوذه، على مدى عقود.

​لذلك، في هذه الظروف، ​يبدو إنقاذ «لبنان الكبير» من السقوط مسؤولية «حزب الله» وحده. والبداية تكون بتخلّيه عن المكابرة القاتلة والاعتراف بخطأ الخيارات، ووقف الانتحار الجماعي. ولكن، أيضاً، هي مسؤولية السلطة الرسمية التي لا يمكنها البقاء في موقع «إدارة الأزمة»، بل عليها أن تعمل بقوة على فرض خياراتها، انطلاقاً من بنود «اتفاق الطائف» الذي ينص صراحة على بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية وحصر السلاح.

​واضحٌ أنّ التوسع الإسرائيلي لن يقف عند الحدود التي نراها اليوم، ما دام «حزب الله» يرفض مراجعة حساباته. وإذا ما أدّى هذا المسار الانتحاري إلى ضياع كامل الجنوب، أي إذا وصلت إسرائيل بجيشها إلى خط الأولي أو إلى خط قريب منه، كما يُشاع، أي إذا تقدّمت إلى إقليم التفاح وجبل الريحان وصولاً إلى أعالي كفرحونة في قضاء جزين، واستعادت واقع ما قبل العام 2000، فإنّ لبنان لن يرسو على «صيغة أمنية» جديدة للجنوب فحسب، بل سيرسو عملياً على موت مفهوم «لبنان الكبير» بضياع جنوبه. ولذلك، ​لا حماية لجبل عامل ولا صون للجنوب وأهله إلّا بإنهاء واقع السلاح، وانضواء «حزب الله» المطلق في حضن الدولة. إنّه سباق قاتل بين خيارين سيقرّران مستقبل لبنان الكبير. وحتى اليوم، المؤشرات ليست مشجعة.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى