في المخيال الجمعي لمحامي سوريا، تقوم حقبة الأربعينيات والخمسينيات مقام الطريق المستقيم في دلالاتها عن المرحلة الذهبية لمهنة المحاماة ونقابة المحامين في سوريا، باعتبار كان حضور رجال القانون في الحياة العامة مؤسساً ومؤثراً وصانعاً للحدث على نحو يتماهى مع قدسية قيمة العدالة والدرب المؤسس لها من خلال دولة القانون.
استطاعت مهنة المحاماة بكل ما تنطوي عليه من أبعاد، سواء كعمل فني أو كمساحة فكرية ثقافية، أن توطد دورها باعتبارها رافعة مدنية وسياسية نشطة في الحياة العامة في سوريا، حتى إن نقابة المحامين في سوريا بقيت بمثابة الحصن الأخير للمقاومة المدنية السياسية في مواجهة الاستبداد السياسي، وهذا ما يفسره السياق والقضم المتدرج لدور النقابات بشكل عام ونقابة المحامين في سوريا بشكل خاص، خاصة بين عامي 1978 و1981.
لا يقف استذكار رجال القانون فقط عند الأستاذ والمناضل الكبير فارس الخوري، أول نقيب للمحامين في سوريا، والذي شغل منصب رئيس مجلس النواب، أو الأستاذ سعيد الغزي، نقيب المحامين في عام 1944 ورئيس وزراء، والأستاذ ناظم القدسي، المحامي والأكاديمي الذي شغل منصب رئيس الوزراء. رحمهم الله فالتاريخ ثري برجال القانون الذين لعبوا أدواراً هامة في مراحل تأسيس الدولة السورية.
وكما دأبت غالبية الأنظمة الاستبدادية، أراد نظام الأسد أن تعيش نقابة المحامين في سوريا الغيبوبة السياسية دون أن تفقد وظيفتها التنظيمية بما يخدم أجندة السلطة، ونجح في ذلك إلى حد كبير، وبالنظر لأداء نقابة المحامين خلال سنوات الانتفاضة والحرب السورية، ومع الأسف، لم تكن نقابة المحامين في سوريا إلا كما أُريد لها، فلم تكن سوى تجمعاً مهنياً يقدم بعض الخدمات للأعضاء ويخدم السلطة ويمتثل لأوامرها، ويطبق عقوباتها، كما هي غالبية النقابات، و دون أن يكون لها أية فعالية حقيقية في حماية جوهر وجود مهنة المحاماة التي تقوم على ركن أساسي، وهو الدفاع عن الحقوق والحريات وترسيخ مبدأ سيادة القانون.
ولعل أكثر ما كان يبعث على الأسى والإحباط هو البعض من أعضاء مجالس النقابة والفروع ومن أعضاء النقابة بشكل عام، الذين اجتهدوا في خدمة الأذرع الأمنية لنظام الأسد، وقدموا خدمات أمنية كانت كلفتها كبيرة جداً على مصير ومستقبل زملائهم وزميلاتهم في المهنة، وكما هو معروف ومتفق عليه، أنه ليس هناك ما يلطخ منظومة قيم مهنة المحاماة أكثر من خساسة فعل الوشاية.
حيث لم تشهد حقبة الانتفاضة والحرب السورية موقفاً متمايزاً لنقابة المحامين في أدائها عن النظام الحاكم، خلا بعض الاستثناءات، ولعل أكثر تلك الاستثناءات توهجاً واستنارة هو بيان فرع السويداء لنقابة المحامين، حين استطاع الزملاء والزميلات في فرع السويداء استصدار بيان تاريخي في مضمونه وتوقيته، حيث صدر البيان بتاريخ 19/7/2011، متضمناً مطالب ومبادئ سياسية مسؤولة، وبلغة واضحة وشجاعة، في الوقت الذي جبنت فيه الكثير من النفوس وغابت فيه الكثير من المبادرات.
أهمية السرد التاريخي الوارد أعلاه لا تكمن في الاستذكار أو سحل جثة نظام الأسد، فهذا فعل دأبت عليه القوى السياسية التي سيطرت على المشهد العام في سوريا بعد أن تبين إفلاسها، بل الغاية الأساسية من هذا السرد هي محاولة قراءة المشهد الحالي بوضوح وموضوعية، ولعل تلك القراءة ستكون أكثر دلالة إذا ما اقترنت باستكشاف تجارب ودروب نضالية مدنية أخرى قامت بها تنظيمات نقابية للمحامين في دول أخرى، سيما في الدول التي شهدت مراحل انتقالية.
وفي هذا الصدد، تحضر تجربة الهيئة الوطنية للمحامين في تونس بقوة كنموذج حي يوضح أهمية النقابات والمجتمع المدني ككل في إرساء القيم المدنية والديمقراطية، فقد استطاعت الهيئة الوطنية للمحامين في تونس فرض نفسها مع غيرها من قوى المجتمع المدني التونسي ككيانات مدنية مستقلة ومسؤولة، خاصة في الأزمة السياسية التي مرت بها البلاد في عام 2013، عندما أصبح الانتقال الديمقراطي في تونس مهدداً بالانهيار وسط جو من الاستقطاب السياسي الحاد.
فقد لعبت الهيئة الوطنية للمحامين في تونس، وبالتعاون مع الاتحاد العام للشغل، واتحاد الصناعة والتجارة، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان، فيما عُرف في حينه بـ«الرباعي الراعي للحوار الوطني»، دوراً محورياً من خلال إيجاد عملية سياسية بديلة في الوقت الذي أصبحت فيه تونس على حافة حرب أهلية، واستطاعوا أن يلعبوا دور الوسيط بين الخصوم السياسيين، في الوقت الذي أصبحت فيه المؤسسات السياسية عاجزة عن إنتاج تسوية.
وتكللت مبادرتهم في حينه بإرساء الاستقرار السياسي الاجتماعي، والجدير بالذكر أن ما سمي بالرباعي الراعي للحوار الوطني، ومن ضمنه الهيئة الوطنية للمحامين في تونس، حاز على جائزة نوبل للسلام لعام 2015.
وفي نموذج آخر، نجد أن نقابة المحامين في ليبيريا لعبت دوراً هاماً في عملية السلام بعد الحرب الأهلية، على الرغم من توقف أعمالها خلال الحرب وفرار عدد من أعضائها، إلا أن مشاركتها في مؤتمرات السلام التي عُقدت خلال سنوات الحرب، ومشاركتها في وضع آليات الانتقال للحكم الديمقراطي، تصب في الغاية والدور الأسمى لنقابة المحامين في الدول التي اختارت مجتمعاتها الذهاب نحو الحداثة ودولة القانون.
وبالعودة إلى واقع نقابة المحامين في سوريا، وعلى مدار سنتين تقريباً، منذ يوم 8/12/2024 وحتى الآن، فإن أي مراقب يستطيع الوصول إلى قناعة مفادها بأن واقع الحال لا يدل على القيام بأي إنجاز ملحوظ يوحي بأن نقلة نوعية ستحدث وستغير من وضعية النقابة وتؤسس لاستعادة استقلالها ودورها في الحياة العامة.
ولعل المقصود بعبارة الإنجاز الملحوظ الواردة آنفاً هو ما يمكن أن يشكل إجابة صريحة وقوية على هذين السؤالين:
هل استطاعت نقابة المحامين أن تشغل حيزاً متمايزاً في السلوك والخطاب عن خطاب وسلوك السلطة الانتقالية؟
هل ظهرت النقابة في الحياة العامة في سوريا كجهة مدنية مستقلة ذات فاعلية في الواقع السياسي والاجتماعي؟
قد يقول البعض إن الوقت مبكر للوصول لهذا الموقع من الاستقلالية، وهنا من المفيد أن نذكر أن هناك أحداثاً مفصلية دامية مرت بها سوريا خلال العامين، وبقدر ما كانت تشكل تحديات، إلا أنها كانت أيضاً فرصاً حقيقية لمجلس نقابة المحامين ومجالس الفروع، لإعطاء انطباع، على الأقل، أن النقابة لم تعد جهازاً يتماهى مع السلطة، وإنما هي كيان مدني مستقل يصنع موقفه ويطلقه وفقاً لمقتضيات المصلحة العليا للمجتمع الذي تمثله، وبما ينسجم مع قيم النقابة والمهنة ومبادئها المستقاة من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وهذا، مع الأسف، وبحسب ظاهر الحال، لم يفكر به أحد إلى الآن.
بل نجد أن المجالس الجديدة للنقابة قد سلكت ذات السلوك الذي سلكته المجالس القديمة، إبان حكم الأسد بين عامي 2011 و2024، والمتمثل بالصمت إزاء ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة التي وقعت بحق الكرد السوريين والعلويين في الساحل السوري والدروز في السويداء، بالرغم أن العديد من أعضاء النقابة وقعوا ضحايا لتلك الجرائم والانتهاكات، بالإضافة لكون البعض الآخر من ذوي ضحايا تلك الانتهاكات والجرائم.
ويجدر الإشارة إلى أن الطامة الكبرى التي لم يتم الإضاءة عليها، أن البعض من أعضاء المجالس الجديدة خضعوا، وعلى مدار سنوات، للعديد من ورشات التدريب والتأهيل المتعلقة بثقافة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وهنا، فإن الأمانة التاريخية تفرض أن لا ندعي لمجالس النقابة الحالية أفضلية أخلاقية وحقوقية عن المجالس السابقة التي كانت إبان حكم الأسد، بحكم تشابه رد الفعل والأداء في السياقات التاريخية المتشابهة، والتي اختارت فيها مجالس نقابة المحامين المتعاقبة منذ عام 2011 وحتى اليوم، الصمت والتجاهل إزاء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الإخفاء القسري والتعذيب، التي ارتكبتها وترتكبها السلطات السياسية المتعاقبة بحق الإنسان في سوريا.
كما أن العجز عن تحقيق الأفضلية الحقوقية لا يعفي بطبيعة الحال مجالس النقابة الجديدة من المسؤولية المركبة، كونها أمام تحد يهدم «الشرعية الثورية» التي حلت من خلالها محل المجالس السابقة، فتاريخية الانتهاكات لحقوق الإنسان في سوريا هي الشرط الجوهري والموضوعي للقضية الإنسانية والسياسية في هذه الحقبة من تاريخ سوريا.
فما الفائدة إذاً من نزع الشرعية عن المجالس القديمة و استبدالها إذا ما تبنت المجالس الجديدة في الذهنية و الأداء؟
CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 82
وامتثالاً للموضوعية، فإن أي مراقب لا ينكر التقليص الملحوظ لخطابات التأييد للقيادة الحكيمة والاقتصاد في عدد آيات الشكر السامية في بيانات مجالس النقابة، إلا أن ذلك لا يعني أن ذهنية الاستبداد قد فُككت، أو أن المجالس الجديدة بدأت تظهر تمايزاً عن السلطة السياسية، أو تظهر حساسية حقوقية تجاه الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها السلطة الانتقالية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أشار واقع الحال بأدلة صريحة عن تحريك دعاوى مسلكية وصدور قرارات شطب على خلفية سياسية تتعلق بموقف الزميل أو الزميلة من السلطة السياسية الحالية، عدا عن أن مواقع التواصل الاجتماعي تشهد على كثير من العبارات والعناوين التي تغص بالتحريض على العنف الطائفي، والتي لا يليق بمحام أو محامية أن تنطق بها، والتي ينشرها محامون ومحاميات على حساباتهم دون أي رقابة أو محاسبة.
إن أخطر ما نعيشه اليوم هو جهل البعض بالدور الكبير للمجتمع المدني غير المرتهن لأجندة المانحين، في الدول التي تشهد انقسامات اجتماعية عميقة، وبالوقت الذي يجمع كل من يراقب الشأن العام في سوريا أنه على شفير الانفجار وأن الخرائط على وشك أن تتغير.
لذلك، فإن المقارنة بين دور نقابة المحامين في سوريا بعد سقوط النظام وبين دور نقابة المحامين في دول أخرى مثل تونس وليبيريا وغيرهما من التجارب الناضجة، لن يكون في مصلحة تجربة مجلس النقابة ومجالس الفروع المعينة من قبل السلطة الانتقالية في سوريا، حيث لا يقوى ما تبقى من غيرة على صورة نقابة المحامين في سوريا على وضعها في مقارنة ستكون محبطة لمن هو على قيد الحياة من أعضائها، بالإضافة إلى أنها حتماً ستغضب أرواح المؤسسين.
فأصحاب الأثر العظيم تصيرهم أفعالهم المجيدة إلى قديسين ، تحل بركتهم على من يمتثل لقيمهم ويستمر في اقتفاء أثرهم ، بينما تحل لعنتهم على كل من خالف وصاياهم وحنثوا بأيمانهم وهدروا قيمهم.



