بين الفلافل والآثار صفقة بالمليارات .. وثائق تكشف فساد وزير الثقافة في سلطة الجولاني

بينما كانت وسائل الاعلام والمنصات التابعة لسلطة الامر الواقع في سوريا تضج بصورة وزير الثقافة محمد ياسين صالح، وهو يتناول سندويشة فلافل في الاردن، كشفت وثائق رسمية حصلت عليها “زمان الوصل”، عن وجه جديد من أوجه الفساد المالي والإداري المستشري في ظل سلطة احمد الشرع/ الجولاني بدمشق، وذلك عقب توقيع وزير الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف عقدًا بقيمة 6.3 مليار ليرة سورية، مع شركة تجارية تفتقر إلى أدنى الخبرات في مجال ترميم الآثار، لتسليمها مشروعات تأهيل معالم تاريخية بارزة في مدينة حمص.
وتوضح المستندات الصادرة بتاريخ 9 نيسان/أبريل 2026 صدور أمر مباشر إلى “شركة الطائر التجارية”، الممثلة بـ”عماد مصطفى يحيى” و”محمد نور الأتاسي” وشريكهما، لبدء أعمال الصيانة والتأهيل في “قصر الزهراوي” و”دار مفيد الأمين”، وهما من أهم المباني الأثرية العريقة التابعة لمديرية الآثار، رغم الخلو التام لسجل الشركة التجاري من أي اختصاص يتعلق بحماية الإرث المعماري.
وتتجاوز هذه الصفقة حدود التجاوز المالي لتسلط الضوء على آلية إدارة مؤسسات الدولة وتقويض الأطر القانونية في إطار منظومة الحكم الحالية؛ إذ أقدم وزير الثقافة على توقيع عقد إشغال يتجاوز سقف الصلاحيات الإدارية والمالية المخولة له قانونًا، متجاهلًا وجوب الحصول على موافقة مجلس الدولة المسبقة.
وفي كواليس تظهر حالة الارتباك وسعي المسؤولين لفرض سياسة الأمر الواقع، شهدت المعاملة إجراءات غير مسبوقة؛ حيث وقّع الوزير أمر المباشرة أولًا، ثم تعقّب معنيون مدير الآثار والمتاحف لتحصيل توقيعه في مقر وجوده بالجامعة، في خرق صريح لتراتبية المعاملات الرسمية التي تفترض صدور الموافقة الفنية أولًا من مديرية الآثار ثم رفعها للوزير. إن هذه التجاوزات تكشف كيف تُدار المفاصل الحيوية تحت حكم الجولاني، حيث تُستبدل المعايير المهنية بالمحسوبيات، وتتحول مؤسسات الدولة إلى أداة لتوزيع المنافع وتمرير الصفقات بعيدًا عن أي رقابة أو محاسبة.
كما يثير إقصاء الخبراء والبدائل المتاحة تساؤلات جديّة حول خلفيات هذا القرار؛ إذ إن تعمّد إغلاق الباب أمام منح منظمة “اليونسكو” المجانية وما توفره من تقنيات عالية وخبرات دولية في الترميم الأثري، وتفادي طرح المشروع في مناقصة علنية تضمن الشفافية والتنافس، يثبت اعتماد خيار التلزيم المباشر لخدمة مصالح ضيقة. هذا الإصرار على تسليم معالم تاريخية تحتاج إلى ترميم دقيق، كـ”دار مفيد الأمين”، لشركة طارئة لا تمتلك الأدوات العلمية، يعكس حجم الاستخفاف بالقيمة التاريخية الوطنية وتقديم المكاسب المالية الفردية على حساب التراث العام.
وتأتي هذه الخطوة لتقطع كليًا مع العُرف المتبع تاريخيًا في التعامل مع الآثار في حمص؛ إذ كانت جميع مراحل ترميم “قصر الزهراوي” السابقة—منذ ثمانينيات القرن الماضي ومرورًا بعام 2008 وصولًا إلى عام 2020—تتم حصرًا عبر الكوادر الفنية لمديرية الآثار أو بصيغة “التنفيذ بالأمانة” لضمان القيمة الأثرية للموقع. ولم يسبق للغطاء الإداري أن سمح بطرح هذه المواقع كصفقة استثمارية لشركة تجارية خاصة، ما يجعل هذا التجاوز خطوة جديدة تؤكد نهج سلطة الجولاني في تحويل المرافق العامة والتراث الوطني إلى ساحة للاستحواذ والتكسّب المالي.



