مجتمعمنوعات

“النكرة”: رواية الرحلة العميقة وتساؤلات الوجود في النفس البشرية

كتب زياد أمين العريضي

بما أنّ ابنتي الغالية حرصت على سماع رأيي، أكتب بكل ودّ تقديري رأيي المتواضع في رواية معلمتها، الآنسة روى فيصل عزّ الدين، «النكرة».

هذه الرواية تأخذ القارئ في رحلة عميقة إلى أغوار النفس البشرية وتساؤلاتها الوجودية، وتفتح نافذة على قضايا اجتماعية وإنسانية تمسّ الفرد في علاقته بذاته وبالآخرين. نصٌّ يلامس المشاعر بهدوء، ويعالج الألم والأمل بلغة وجدانية صادقة، بعيدة عن الادعاء، وقريبة من القلب.

تأتي رواية «النكرة» كنصٍّ إنساني تأملي، لا تعتمد على حبكة تقليدية بقدر ما تقوم على التراكم الشعوري وبناء الشخصية من الداخل. البطلة، التي تحمل اسم الرواية، ليست «نكرة» بمعناها السطحي، بل حالة وجودية متحوّلة، تتشكّل عبر الفقد، والعمل، والزمن، والحب.

تنطلق الرواية من لحظة وجع مؤثرة مع رحيل الجدة، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من البحث عن الذات. نتابع البطلة وهي تتعثّر أحيانًا، وتنكمش أحيانًا أخرى، قبل أن تصل تدريجيًا إلى نوع من التصالح مع نفسها ومع الحياة. وما يميّز هذه الرحلة أنها لا تُقدَّم بوصفها انتصارًا سريعًا، بل نضجًا بطيئًا، صادقًا، ومكلفًا.

تلعب الفصول الأربعة دورًا رمزيًا واضحًا؛ فالشتاء يرتبط بالفقد والحنين، والربيع بالأمل والبدايات، بينما تتجلّى في بقية الفصول ملامح النضج والمقاومة واستعادة التوازن. هذا التوازي بين تحوّلات الطبيعة وتحولات النفس يمنح النص انسجامًا جميلاً، ويقرّب القارئ أكثر من التجربة الشعورية للشخصية.

لغة الرواية شاعرية ووجدانية، تميل إلى البوح الداخلي ومخاطبة الزمن والذاكرة والماضي. ورغم ميلها أحيانًا إلى الإطالة والتكرار، إلا أن هذا الأسلوب ينسجم مع طبيعة النص، الذي يقدّم الإحساس على الحدث، والصدق العاطفي على الإيقاع السريع.

أما الشخصيات المرافقة للبطلة، فتظهر بوصفها ركائز نفسية أكثر من كونها شخصيات تفصيلية؛ فالجدة تمثّل الحكمة والجذور، والأم الأمان والرعاية الصامتة، بينما يجسّد وليد صورة للحب الناضج الذي لا يقيّد ولا يفرض نفسه.

في خاتمة الرواية، تصل «النكرة» إلى تعريفها الأعمق: ليست من لا اسم لها، بل من تعلّمت أن تختار نفسها، وأن تودّع ماضيها دون إنكار، وتكمل طريقها بثقة ووعي.

«النكرة» رواية تُقرأ على مهل، وتُشبه القارئ في لحظات ضعفه وقوته، وتترك أثرها لا بضجيج الأحداث، بل بصدق التجربة الإنسانية التي تحملها بين سطورها.

وفي الختام، تبدو تجربة روى فيصل عزّ الدين في «النكرة» وعدًا هادئًا بقلم يعرف طريقه إلى المعنى، ويكتب الإنسان لا بوصفه فكرة، بل بوصفه كائنًا يتعلّم، ويتبدّل، ويصالح ذاته مع الزمن. هي كتابة تنصت أكثر مما تعلن، وتلمس أكثر مما تشرح. ونرجو أن تواصل صاحبتها هذا المسار بثقة، وأن تمضي بلغتها الحسّاسة نحو آفاق أرحب من الأسئلة والجمال، لتظلّ نصوصها مرآة صادقة للروح الإنسانية.

* رواية النكرة صادرة عن دار البيان العربي من تأليف الكاتبة روى فيصل عزالدين

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى