
قبل 24 ساعة من توجه الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع، رسم المفكر الاستراتيجي الروسي ألكسندر دوغين، المقرب من دوائر القرار في الكرملين والمُلقب بـ “عقل بوتين”، سيناريوهات قاتمة تحيط بمستقبل النظام السياسي في الولايات المتحدة والتوازنات الدولية والإقليمية، مشيراً إلى أن احتمال خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي سيمهد الطريق لمرحلة غير مسبوقة من التصعيد الداخلي والخارجي.
ويرى دوغين أن مؤشرات التراجع الانتخابي لترامب وأنصاره تضع واشنطن أمام واقع جديد لن يتوانى فيه الخصوم الديمقراطيون عن شن هجوم مضاد والانتقام السريع مما يعتبرونه تهديداً وجودياً لبنية “الدولة العميقة”، خاصة بعد خطط تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وتأسيس هيئة الكفاءة الحكومية (DOGE)، وهي الخطوات التي أثارت رعب المؤسسة التقليدية وأشعرتها بجدية ترامب في تقويض نفوذها.
وحذر الفيلسوف الروسي من أن عدم توجيه ترامب “الضربة القاضية” لخصومه أفسح المجال لترتيب صفوفهم، مما يفتح الباب على مصراعيه لسيناريوهات خلع الرئيس أو تحول واشنطن نحو “ديكتاتورية ليبرالية” متشددة، فضلاً عن تصاعد احتمالات نشوب حرب أهلية أمريكية في ظل الاستقطاب المجتمعي الحاد. وأوضح دوغين أن الخيار الوحيد المتبقي أمام ترامب لتفادي انحسار نفوذه قد يتمثل في المغامرة الشاملة عبر تصعيد عسكري غير محسوب ضد إيران بالشراكة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما قد يدفع المنطقة والعالم إلى سلسلة من ردود الفعل الكارثية.
ورغم تصريحات ترامب المعلنة بعدم حتمية الأثر السلبي لخسارة الكونغرس، يجزم المفكر الروسي بأن قدرة الرئيس الأمريكي على المناورة أصبحت محدودة للغاية أمام قوى مترسخة لن تسمح له بتحقيق أجندته المحافظة، مؤكداً في الوقت ذاته أن الخطورة تكمن في كون الاستقرار العالمي المتردي بات معلقاً بصورة كاملة على شخصية متناقضة وغير مضمونة كترامب، مما يضع الجميع في أمريكا وأوروبا وروسيا على كف عفريت.
ولم تكد تمضي ساعات قليلة على التحذيرات التي أطلقها “عقل بوتين” حتى تحولت تلك السيناريوهات والتوقع الاستراتيجي إلى واقع سياسي قائم؛ إذ أسفرت نتائج انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 عن اكتساح وسيطرة كاملة للحزب الديمقراطي على مجلسي الشيوخ والنواب، موجهة ضربة قاصمة لأجندة إدارة ترامب. ففي مجلس الشيوخ، حسم الديمقراطيون الأغلبية رسميًا بواقع 54 مقعداً مقابل 44 مقعداً للجمهوريين، بينما انتزعوا السيطرة على مجلس النواب بتأمين أكثر من 231 مقعداً. هذا الزلزال الانتخابي دفع الرئيس دونالد ترامب للإقرار بالهزيمة علناً عبر شبكة “فوكس نيوز”، معرباً عن تقبله للواقع التشريعي الجديد الذي يقيد صلاحياته ويشل قدرته على تنفيذ السياسات المحافظة في العامين المتبقيين من ولايته.
ولم تقتصر نتائج هذه الجولة الانتخابية على تغيير موازين القوى التشريعية فحسب، بل شهدت صعوداً تاريخياً لمرشحي الأقليات من الحزب الديمقراطي؛ إذ يتجه حكيم جيفريز لرئاسة مجلس النواب كأول أمريكي من أصل أفريقي يقود المجلس، فيما فازت ديب هالاند بموقع حاكم ولاية نيو مكسيكو كأول امرأة من السكان الأصليين تشغل هذا المنصب.
كما حققت كيشا لانس بوتومز إنجازاً تاريخياً كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة لولاية جورجيا، ودخل عبدول السيد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان كأول مسلم في تاريخ المجلس، ورافقتْه بيغي فلاناغان كأول امرأة من السكان الأصليين تمثل ولاية مينيسوتا تحت قبة الشيوخ.
وتؤكد التحليلات الميدانية أن الدوافع المحركة لهذا التحول الانتخابي الحاد يعود إلى حالة السخط الشعبي العارم لدى الناخبين من ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف المعيشة، إلى جانب المعارضة الواسعة للسياسات المرتبطة بالتصعيد والحرب على إيران، وهو ما يُعيد التأكيد على قراءة دوغين التي أشارت إلى أن غياب الحلول الشاملة والانخراط في المظاهر الاستقطابية سيعجل بسقوط أركان المعادلة التي حاول ترامب تثبيتها.



