اقتصاد

البنزين الرديء يدمر محركات السيارات في سوريا

فراس الزعبي - الاخبار

أثارت أزمة البنزين غير المطابق للمواصفات في الأسواق السورية جدلاً واسعاً، بعد الأعطال والأضرار المادية الكبيرة التي لحقت بأصحاب السيارات العامة والخاصة على حد سواء.

وبدأت تداعيات القضية بالظهور تباعاً في محافظة تلو الأخرى، قبل أن تمتد إلى معظم المناطق السورية، على خلفية دخول شحنة بنزين غير مطابقة للمواصفات إلى السوق المحلية، وسط غياب توضيحات رسمية كافية من وزارة الطاقة خلال الأيام الأولى للأزمة.

وسرعان ما تحولت القضية إلى محور اهتمام واسع لدى الشارع السوري، نظراً إلى تداعياتها الاقتصادية المباشرة على المواطنين، ولا سيما أن شريحة كبيرة من مالكي السيارات تعتمد عليها كمصدر رزق، سواء من خلال العمل في تطبيقات التوصيل أو عبر سيارات الأجرة العامة.

بنزين بألوان مختلفة.. ومحركات خارج الخدمة
أظهرت مقاطع الفيديو والصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي اختلافاً واضحاً في ألوان البنزين، إذ تراوحت بين الأحمر الداكن والسائل الفاتح الذي يشبه المياه الملوثة، ما أثار مزيداً من المخاوف بشأن جودة الوقود المتداول في الأسواق.

وقال سعد عبد الله، وهو سائق سيارة أجرة في اللاذقية، لصحيفة «الأخبار»، إن المشكلة بدأت بعد تعبئة سيارته بالبنزين من إحدى محطات الوقود في المدينة. وأضاف أنه عندما حاول تشغيل السيارة في اليوم التالي، سمع أصواتاً غريبة صادرة عن المحرك، قبل أن تنطفئ السيارة. ورغم تكرار محاولات التشغيل، استمرت الأصوات نفسها إلى أن توقفت السيارة عن العمل نهائياً.

وأوضح عبد الله أنه نقل سيارته إلى ورشة ميكانيك، حيث تبيّن، بعد فحص البنزين، أن لونه أحمر داكن ويحتوي على شوائب وأوساخ. وأشار إلى أن ذلك تسبب بأعطال في مضخة الوقود والبخاخات ومصفاة البنزين، ما اضطره إلى دفع نحو 300 دولار لإصلاح السيارة.

من جهته، قال عمر، وهو من سكان حلب ويمتلك سيارة خاصة، إنه لاحظ صدور أصوات تشبه الفرقعة عند محاولة تشغيل سيارته بعد تعبئتها بالبنزين، قبل أن تتوقف عن العمل. وأضاف أنه اكتشف لاحقاً أن الأصوات كانت تصدر من المحرك، الذي تعطل بالكامل، ما استدعى إجراء عملية «تنزيل محرك» لإصلاحه.

وأشار شكري إلى أن سيارته من طراز «هيونداي توسان 2024»، وهي من السيارات الحديثة التي ترتفع تكاليف صيانتها، لافتاً إلى أن كلفة الإصلاح المتوقعة تتراوح بين 2000 و2500 دولار أميركي.

ورشات الميكانيك تحت ضغط السيارات المتضررة
مع اتساع نطاق انتشار البنزين غير المطابق للمواصفات، بدأت ورشات الميكانيك في مختلف المحافظات السورية تستقبل أعداداً متزايدة من السيارات المتضررة، وسط تنوع الأعطال التي طالتها، رغم الاشتباه بارتباطها جميعاً بمشكلة الوقود.

وفي هذا السياق، قال ليث حسين، صاحب ورشة ميكانيك في محافظة طرطوس، إن عدد السيارات التي وصلت إلى ورشته ارتفع بصورة مفاجئة، قبل أن تتضح مؤشرات وجود مشكلة عامة في البنزين.

وبيّن حسين أن عدد السيارات المتضررة التي استقبلتها ورشته بلغ نحو 20 سيارة في يوم واحد، الأمر الذي اضطره إلى الاعتذار عن استقبال مزيد من السيارات، بسبب الضغط الكبير وضيق المساحة المتاحة لديه.

وأوضح أن تحديد الأسباب الدقيقة للأعطال يحتاج إلى إجراء اختبارات مخبرية وتحليلات للوقود، لكنه رجّح أن تكون الشحنة المتسببة بالمشكلة قد خضعت لعمليات معالجة بدائية، أو جاءت من مصادر غير معروفة.

وأضاف أن مثل هذه العمليات قد تؤدي إلى انخفاض نسبة الأوكتان في البنزين، أو إلى عدم تكريره وفق الأصول الفنية المعتمدة، ما قد يتسبب بوجود شوائب ورواسب تؤثر سلباً في أداء المحركات وأنظمة الوقود.

ونصح حسين أصحاب السيارات بتوخي الحذر قبل تعبئة الوقود، إلى حين التأكد من انتهاء الكميات غير المطابقة للمواصفات من التداول، محذراً من أن تكاليف الأضرار المحتملة تختلف من سيارة إلى أخرى، وقد تصل في بعض الحالات إلى نصف قيمة السيارة.

وزارة الطاقة تعلن التحقيق والتعويضات
مع تحول القضية إلى أزمة عامة امتدت إلى عدد من المحافظات السورية، أصدرت وزارة الطاقة بياناً أوضحت فيه ملابسات الحادثة، وأعلنت فتح تحقيق في القضية، إلى جانب العمل على وضع آلية لتعويض المواطنين المتضررين.

وبحسب بيان الوزارة، كشفت التحقيقات عن وجود شحنة بنزين مخالفة للمواصفات القياسية والفنية المعتمدة، كانت قد فُرّغت في مستودعات تابعة للشركة السورية للبترول. وعلى إثر ذلك، تقرر إعادة الشحنة إلى مصدرها، بسبب عدم مطابقتها للمواصفات وعدم صلاحيتها للاستهلاك في السوق المحلية.

وذكرت الوزارة أنه خلال تنفيذ عملية إعادة ترحيل البنزين المخالف عبر شبكة الأنابيب، وقع خطأ تشغيلي أدى إلى اختلاطه بكميات من البنزين المطابق للمواصفات، ما تسبب بوصول جزء من الخليط إلى السوق المحلية، وألحق أضراراً بعدد من مركبات المواطنين.

وأكدت الوزارة اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المسؤولين عن الخطأ، مشيرة إلى أنها كلّفت الشركة السورية للبترول بوضع آلية لتعويض المتضررين، على مراحل متتابعة.

ورغم الإعلان عن التحقيق والتعويضات، لا تزال القضية تثير تساؤلات بشأن آلية تحديد المتضررين، والإجراءات التي ستُعتمد لتقدير حجم الأضرار، والمدة اللازمة لصرف التعويضات، فضلاً عن سبل منع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.

فيديوهات لتفنيد الأزمة أم محاولة للتشكيك فيها؟
بالتزامن مع انتشار أخبار الأعطال والأضرار الناجمة عن البنزين، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لأشخاص موجودين في مصفاة بانياس، ظهروا وهم يملؤون عبوات شفافة بالوقود، في مشاهد قُدّمت على أنها دليل على سلامة البنزين.

لكن هذه المقاطع أثارت بدورها موجة من التشكيك، إذ أشار متداولون إلى أن عملية التعبئة الظاهرة فيها لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يجري، وادّعوا أن العبوات كانت تحتوي مسبقاً على بنزين نظيف، إذ ظهرت بعض العبوات وكأنها مغلقة قبل بدء التعبئة.

وأعادت هذه المقاطع الجدل حول طريقة التعامل مع الأزمة، ومدى شفافية المعلومات المقدمة للرأي العام، خصوصاً في ظل الأضرار التي أبلغ عنها أصحاب السيارات في أكثر من محافظة.

وبينما ينتظر المتضررون خطوات عملية تترجم الوعود الرسمية إلى تعويضات فعلية، تبقى الأسئلة المطروحة مرتبطة بجدية التحقيق، ومحاسبة المسؤولين عن الخطأ، وضمان عدم تكراره، إضافة إلى وضوح الإجراءات المتخذة لحماية المستهلكين.

فهل ستترجم وزارة الطاقة تعهداتها إلى إجراءات ملموسة تضمن إنصاف المتضررين ومحاسبة المقصرين، أم ستبقى الوعود في إطار التصريحات التي تهدف إلى احتواء الغضب الشعبي، قبل أن تتراجع القضية عن واجهة الاهتمام؟

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى