عجز إداري وشلل مالي.. هل بدأ العدّ التنازلي لرحيل “سلطة الشرع”؟

تكشف أزمة تراكم النفايات المتفاقمة في دمشق وحلب والأرياف المجاورة عن صورة جلية لعجز الهيكل الممسك بالسلطة في دمشق، وفشله في إدارة أدنى المقومات الحياتية للمواطنين.
فلم تعد المشاهد القادمة من أحياء الدويلعة، وجسر كشكول، ومساكن برزة، وحاميش، مجرد تعثر خدمي عابر، بل تحولت إلى مظاهر لافتة لشلل مالي وإداري يضع السلطة القائمة في موقف العاجز عن تقديم ابسط الخدمات العامة، في مشهد تجاوز بحسب القاطنين ما شهدوه خلال سنوات الحرب.
حالة العجز هذه لم تعد خافية على الشارع السوري الذي بات يلمس حجم الفجوة بين الأوهام والواقع الميداني. وفي هذا السياق، جاءت رسائل علنية وجّهها محامون وحقوقيون، كالمحامي باسل سعيد مانع، إلى مسؤولي الإدارة بدمشق وريفها، لتسلّط الضوء على المفارقة الفاقعة بين إطلاق مشاريع شكلية لرصف الأرصفة وتجميل الشوارع، وبين الغرق الفعلي في أكوام القمامة المتراكمة. وهذا الموقف يتكامل مع تصريحات رسمية صريحة، كإعلان رئيس مجلس مدينة قدسيا عن انعدام الميزانية التشغيلية لترحيل النفايات، التي تتطلب تكلفة يومية تصل إلى عشرة ملايين ليرة، ما يؤكد الإفلاس الخدمي وشلل التمويل.
ولعل الدليل الأبرز على هذا العجز الإداري يتمثل في السياسات التقشفية والتخبط التنظيمي الذي أطاح بمنظومة النظافة، إذ جرى تسريح أعداد كبيرة من العمال، وإلغاء الحوافز المادية والعيديات، وتقليص الأجور إلى نحو 800 ألف ليرة فقط، مع المماطلة في صرفها لأشهر متتالية لعمال أمضوا عقوداً في الخدمة دون تثبيت.
يضاف إلى ذلك تعطل أكثر من 80% من آليات الجمع والترحيل، نتيجة إغراق عمليات الصيانة الروتينية في لجان فنية وبيروقراطية معقدة، يمنع اصلاح شاحنة واحدة لأشهر طويلة، بينما ينشغل المسؤولون بالمظاهر والاستعراضات الإعلامية.
وفي وقت تقف فيه هذه السلطة عاجزة عن توفير أجور مستدامة أو تأمين المياه والخدمات لأحياء العاصمة، وتتجاهل إعداد خطط تنموية للحد من نزوح الأرياف أو أتمتة الدوائر الحكومية لتسهيل حياة السكان، تذهب الأولويات نحو فتح المجال أمام استباحة الأرصفة للبسطات والتوسع في مشاريع عقارية استثمارية مخصصة لغير السوريين.
إن هذا التناقض يكرّس واقعاً من بيع الأوهام لشارع يطالب بالحد الأدنى من مقومات الحياة، بينما اصبحت المدن السورية رهينة البيئة الملوثة والعحز الخدماتي.
وبين عجزٍ مالي يتسع وشللٍ خدمي يتفاقم، تبدو السلطة في دمشق أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الاستمرار وإدارة أبسط شؤون البلاد. فهل تكون هذه الأزمات المتراكمة بداية العدّ التنازلي لرحيل “سلطة الشرع”، أم أنها ستتمكن من احتواء الانهيار قبل بلوغ نقطة اللاعودة؟



