مجتمع

بلدية الشويفات تكافح المخدرات بإغلاق محال القهوة… ولكن على مَن يُطبَّق القرار؟

إجراءات انتقائية تفرض الإقفال ليلاً على مؤسسات وتستثني أخرى، فيما تغيب المعايير القانونية ويُستبدل العمل الأمني بمعاقبة أصحاب المصالح

على امتداد الخط الساحلي الواقع ضمن النطاق العقاري لبلدية مدينة الشويفات، من محيط الحدث وتحويطة الغدير شمالاً، مروراً بخلدة وتقاطع عرمون، وصولاً إلى الدوحة جنوباً بمحاذاة شاطئ البحر الأبيض المتوسط، بدأت الشرطة البلدية تنفيذ إجراءات تقضي بإجبار عدد من محال بيع القهوة والمشروبات على الإقفال بين الساعة الثانية عشرة ليلاً والخامسة صباحاً.

تبرّر البلدية هذا الإجراء، وفق ما أُبلغ به أصحاب المحال، بأنه يأتي في إطار «مكافحة ظاهرة بيع المخدرات». غير أن طريقة تطبيقه، وغياب قرار معلن يحدد أساسه القانوني ونطاقه ومعاييره، فضلاً عن استثناء محال وفرض الإقفال بالقوة على محال أخرى، تحوّل القضية من تدبير تنظيمي قابل للنقاش إلى شبهة إجراء تعسفي وانتقائي يهدد أرزاق أصحاب المؤسسات والعاملين فيها.

المشكلة ليست في سعي البلدية إلى حماية الأمن أو مكافحة الاتجار بالمخدرات، وهي أهداف لا خلاف على ضرورتها، بل في استخدام عنوان أمني بالغ الخطورة لتبرير إجراء جماعي يمس مؤسسات تجارية مرخصة من دون تقديم أدلة على تورطها في أي نشاط غير قانوني، ومن دون توضيح الصلة بين بيع القهوة بعد منتصف الليل والاتجار بالمخدرات.

فهل تحولت ساعات العمل إلى دليل اشتباه؟ وهل يكفي أن يفتح محل أبوابه طوال الليل كي يُعامل كأنه بؤرة أمنية؟ وإذا كانت لدى البلدية أو الأجهزة الأمنية معلومات جدية عن بيع المخدرات في محل معين، فلماذا لا تُحال هذه المعلومات إلى القوى الأمنية والنيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المشتبه فيهم، بدلاً من معاقبة قطاع كامل وإجبار أصحابه على الإقفال؟

قرار شفهي أم تدبير إداري معلن؟

يفرض الإجراء سلسلة من الأسئلة التي يتعين على بلدية الشويفات الإجابة عنها: هل صدر قرار رسمي عن المجلس البلدي أو رئيس البلدية بتحديد ساعات عمل محال القهوة؟ وما رقم هذا القرار وتاريخه؟ وهل نُشر أو بُلّغ إلى جميع المؤسسات المعنية؟ وما النص القانوني الذي استند إليه؟ وهل يطبق على جميع المؤسسات التي تمارس النشاط نفسه، أم على مجموعة اختيرت من دون معايير معلنة؟

لا يجوز أن تتحول التعليمات الشفهية أو الدوريات الليلية إلى مصدر مستقل للسلطة. فالتدابير الإدارية التي تقيد ممارسة نشاط اقتصادي مشروع يجب أن تكون صادرة عن جهة مختصة، ومعللة، ومعلنة، ومحددة المدة والنطاق، وأن تطبق وفق معايير عامة ومتساوية، مع إتاحة حق الاعتراض والمراجعة.

أما أن تصل دورية إلى أحد المحال فتجبره على الإقفال، فيما يبقى محل آخر يمارس النشاط نفسه على بعد مسافة قصيرة مفتوحاً، فذلك لا يشكل تطبيقاً سليماً لقرار عام، بل يفتح الباب أمام الاستنسابية والتمييز وإساءة استعمال السلطة.

ويقول أصحاب عدد من المحال إن طبيعة عملهم قائمة على الخدمة على مدار الساعة، وإن الجزء الأساسي من مداخيلهم يتحقق ليلاً، ولا سيما من سائقي سيارات الأجرة والشاحنات، والعاملين في الورديات الليلية، والمسافرين والمتنقلين عبر الطريق الساحلي. لذلك لا يمثل الإقفال خمس ساعات يومياً إجراءً شكلياً، بل خسارة مباشرة قد تهدد قدرة المؤسسات الصغيرة على دفع الإيجارات والأجور والفواتير والاستمرار في العمل.

جولة ميدانية تكشف تطبيقاً غير متساوٍ

خلال جولة ميدانية على المسار الممتد ضمن نطاق الشويفات ومحيط خلدة والدوحة، أمكن رصد أربعة محال على الأقل تواصل العمل بعد منتصف الليل، من بينها محال قرب مبنى الضمان الاجتماعي، وأخرى في محيط تقاطع عرمون–خلدة، وصولاً إلى مناطق في دوحة عرمون ودوحة الحص، عند الخط الفاصل بين الشويفات والناعمة وبين قضائي عاليه والشوف.

كانت هذه المحال مفتوحة وعلى مرأى من عناصر الشرطة البلدية أو ضمن مناطق تتحرك فيها دورياتها، في الوقت الذي أُجبرت فيه محال أخرى على الإقفال. ولا يكفي هنا القول إن الدورية «لم تنتبه» أو إن الاختصاص العقاري يختلف من نقطة إلى أخرى؛ إذ يفترض بالبلدية أن تنشر خريطة واضحة لنطاق تطبيق القرار، وأن تحدد المؤسسات المشمولة به، وأن تفسر سبب إقفال محل وترك محل آخر يمارس النشاط ذاته في المنطقة نفسها.

هذه الوقائع لا تثبت، بمفردها، وجود منفعة غير مشروعة أو تواطؤ، ولا يجوز إطلاق اتهامات جزائية من دون أدلة. لكنها تكفي لطرح أسئلة جدية عن معايير التنفيذ، وللمطالبة بالكشف عن سجلات الدوريات ومحاضر الإنذارات والإقفال وأسماء المؤسسات التي شملها الإجراء أو استُثنيت منه.

فهل خضعت جميع محال بيع القهوة والمشروبات للكشف نفسه؟ وهل وُجهت إليها إنذارات خطية موحدة؟ وهل سُجلت بحقها محاضر مخالفات؟ وما سبب استمرار بعض المحال في العمل؟ وهل مُنحت استثناءات رسمية؟ وإذا وجدت استثناءات، فعلى أي أساس مُنحت ومن الجهة التي وافقت عليها؟

إن غياب الأجوبة يحوّل التنفيذ الانتقائي إلى أخطر من القرار نفسه، لأن القاعدة العامة، مهما كانت قاسية، تبقى قابلة للطعن والمراجعة، أما الاستنسابية فتجعل حق كل صاحب محل مرتبطاً بتقدير الدورية أو بتعليمات لا يعرف مصدرها ولا يستطيع الاعتراض عليها.

مكافحة المخدرات ليست من اختصاص فنجان القهوة

يبدو تبرير الإقفال بمكافحة المخدرات ضعيفاً ومربكاً. فالاتجار بالمخدرات جريمة خطيرة تتطلب جمع معلومات وأدلة، ومراقبة المشتبه فيهم، وضبط المواد الممنوعة، وتوقيف المتورطين بإشارة القضاء المختص. ولا يمكن اختزال هذا الملف بإغلاق محال القهوة خلال خمس ساعات محددة، وكأن تجارة المخدرات تتوقف عند الثانية عشرة ليلاً وتستأنف عند الخامسة صباحاً.

إذا كانت البلدية تمتلك معلومات عن شبكات أو أفراد يستخدمون بعض المحال للاتجار بالمخدرات، فمن واجبها إحالتها إلى مكتب مكافحة المخدرات والقوى الأمنية والنيابة العامة. وإذا لم تكن تمتلك معلومات محددة، فإن تعميم الاشتباه على المؤسسات العاملة ليلاً يشكل مساساً بسمعتها وإيحاءً غير مقبول بارتباطها بنشاط جرمي.

كذلك، لا تملك الشرطة البلدية أن تحل محل الضابطة العدلية أو القضاء في التحقيق بجرائم المخدرات. ويتمثل دورها أساساً في تنفيذ الأنظمة والقرارات البلدية، والمحافظة على النظام ضمن الصلاحيات التي يحددها القانون، وتنظيم الإشغال والنظافة والسير والمخالفات المحلية. أما الاشتباه بجرائم جزائية، فيقتضي التعاون مع الأجهزة المختصة، لا ابتداع عقوبات جماعية غير مثبتة الصلة بالجريمة المزعومة.

والأخطر أن هذا الأسلوب قد يمنح انطباعاً زائفاً بأن البلدية تعالج المشكلة، بينما يقتصر الإجراء فعلياً على إطفاء واجهات محال القهوة. فإذا كانت ظاهرة الاتجار بالمخدرات موجودة فعلاً بهذا الحجم، فإن إقفال المؤسسات الملتزمة قد يدفع الأنشطة غير القانونية إلى أماكن أقل ظهوراً، من دون أن يطال الشبكات أو مصادر التوزيع.

من يحمي أصحاب المؤسسات من تعسف الإدارة؟

لا يجوز التعامل مع أصحاب المحال الصغيرة بوصفهم الحلقة الأسهل في عملية استعراض أمني. فقد استثمر هؤلاء أموالاً في تجهيز مؤسساتهم، واستحصلوا على تراخيص أو سوّوا أوضاعهم لدى الجهات المختصة، ووظفوا عمالاً على أساس دوام يمتد أربعاً وعشرين ساعة. وأي تعديل قسري لساعات العمل يفترض أن يصدر وفق أصول واضحة، وبعد التشاور مع المعنيين، ومنحهم مهلة للتكيف، لا أن يُفرض عبر دورية أو تهديد أو إقفال بالقوة.

كما أن المساواة أمام الإدارة ليست خياراً أخلاقياً فحسب، بل شرط أساسي لمشروعية القرار. فإذا كانت البلدية ترى أن العمل بعد منتصف الليل يسبب مشكلات أمنية أو إزعاجاً عاماً، فعليها وضع معايير تشمل جميع المؤسسات المتشابهة: نوع الترخيص، موقع المحل، مستوى الضجيج، إشغال الأملاك العامة، الشكاوى الموثقة، أو المخالفات المثبتة. أما اختيار محال بعينها وإعفاء أخرى من دون تفسير فيجعل التدبير عرضة للطعن بسبب التمييز والانحراف في استعمال السلطة.

ومن حق أصحاب المؤسسات المتضررة الحصول على نسخة من القرار الذي تستند إليه الشرطة البلدية، ومعرفة أسباب تطبيقه عليهم، وتوثيق أي إنذار أو محضر أو واقعة إقفال، ثم مراجعة البلدية والسلطات الرقابية والقضاء الإداري عند الاقتضاء.

أسئلة برسم بلدية الشويفات

المطلوب من بلدية مدينة الشويفات ليس إصدار بيان عام عن مكافحة المخدرات، بل تقديم أجوبة محددة وموثقة:

  • ما رقم القرار الذي يفرض إقفال محال القهوة بين منتصف الليل والخامسة صباحاً، وما تاريخه وأساسه القانوني؟
  • هل صدر القرار عن المجلس البلدي أم عن رئيس البلدية أم عن جهاز الشرطة البلدية؟
  • ما النطاق الجغرافي الدقيق لتطبيقه، وما الفئات التجارية المشمولة به؟
  • كم مؤسسة أُنذرت أو أُقفلت، وكم محضراً نُظم منذ بدء تنفيذه؟
  • لماذا بقيت محال عدة مفتوحة، رغم إقفال محال أخرى تمارس النشاط نفسه؟
  • هل توجد استثناءات، ومن منحها، وما شروطها؟
  • هل ضُبطت مواد مخدرة داخل أي من المحال التي أُقفلت، وهل أُحيل أصحابها إلى القضاء؟
  • ما التنسيق القائم مع قوى الأمن الداخلي ومكتب مكافحة المخدرات والنيابة العامة؟
  • ما آلية الشكوى المتاحة لأصحاب المؤسسات الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا لتطبيق تعسفي أو انتقائي؟

إلى أن تنشر البلدية قرارها ومستنداتها وتفسر التفاوت في التنفيذ، سيبقى الإجراء موضع شك مشروع. فمكافحة المخدرات لا تكون بإقفال محل قهوة وترك آخر، ولا بتحويل العمال وأصحاب المصالح إلى مشتبه فيهم جماعياً، ولا باستخدام عنوان أمني لإعفاء الإدارة من واجب الشفافية والمساواة.

الأمن الحقيقي يبدأ بتطبيق القانون على الجميع، لا بإدارة الليل عبر الاستثناءات. وإذا عجزت بلدية الشويفات عن تفسير لماذا يُجبر محل على إطفاء أنواره فيما يبقى محل آخر مفتوحاً على مرأى من دورياتها، فإن القضية لا تعود قضية ساعات عمل، بل تصبح قضية سلطة عامة مطالبة بالكشف عن كيفية اتخاذ قراراتها، ومن تستهدفه بها، ومن تسمح له بالبقاء خارج نطاقها.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى