ملفات ساخنة

أميركا وإيران تصعّدان ضرباتهما: «مذكرة التفاهم» تلفظ أنفاسها

محمد خواجوئي - الاخبار

صعّدت الولايات المتحدة، أمس، بشكل ملحوظ، غاراتها على إيران، التي جدّدت، في المقابل، استهداف قواعد أميركية في الخليج والأردن، وسفن في مضيق هرمز. وجاء ذلك بعد ساعات على استئناف الحصار البحري الأميركي على الجمهورية الإسلامية، والذي يمثّل خرقاً جديداً لأحد بنود مذكّرة التفاهم الموقّعة بين البلدَين قبل أقلّ من شهر. وبهذا، يكون الاتفاق قد فَقَد معناه ووظيفته عملياً، ودخل مرحلة الانهيار الفعلي.

ورغم أن مسؤولَين إقليميَّين أكدا، لوكالة «أسوشيتد برس»، أن الوسطاء لا يزالون يحاولون إعادة الجانبَين إلى طاولة المفاوضات، وأن الوساطة بقيادة باكستان تعمل على مدار الساعة لإعادة تفعيل وقف إطلاق النار، إلا أن التصعيد الملحوظ في الهجمات المتبادلة، الذي سُجّل أمس، لا يوحي بإمكانية حدوث ذلك. إذ تكثّفت الغارات الأميركية، وخاصة على المناطق الجنوبية في إيران. ونقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية، مساء أمس، عن شركة الكهرباء في مدينة كيش أن مقذوفات أميركية انفجرت قرب محطة الكهرباء، ما قد يستدعي إخراج عدد من وحدات الإنتاج عن الخدمة. وقبيل هذا التطوّر، سُجّل دويّ انفجارات في جزيرة قشم ومدن بندر عباس وبوشهر وجاغداك من جرّاء استهدافات أميركية، طاولت قواعد عسكرية وأبراج اتصالات ومراكز رصد بحري حيوية تطلّ على مضيق هرمز. وأكد نائب محافظ بوشهر أن 4 نقاط في المدينة تعرّضت لقصف أميركي.

وفي المقابل، تحدّث عدد من دول الخليج عن ضربات إيرانية على أهداف فيها. وأعلن الجيش الكويتي أن «دفاعاته الجوية تصدّت لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة معادية»، في حين قالت «قوة دفاع البحرين» إنها تصدّت «لعدد من الاعتداءات الجوية الإيرانية»، وأكد «مركز الأمن البحري العُماني»، بدوره، أن ناقلة النفط «مومباسا بي»، التي ترفع علم ليبيريا، تعرّضت لاستهداف أدى إلى فقدان محرّكاتها، على بعد 8.5 ميل بحري من سواحل محافظة مسندم. كذلك، ذكرت صحيفة «فينانسافيسن» الاقتصادية النروجية، نقلاً عن شركة «ستولت – نيلسن» للشحن البحري، أن ناقلة المواد الكيميائية التابعة لها، «ستولت ماغنيزيم»، تعرّضت لهجوم في بحر العرب قبالة سواحل عمان. وأكد «الحرس الثوري»، من جهته، أنه استهدف بالصواريخ منشآت أميركية وموقعاً في قاعدة جوية في الأردن، في حين أفاد التلفزيون الإيراني بأن الدفاعات الجوية نجحت في إسقاط مسيّرة أميركية في سماء مدينة بندر عباس.

وكانت أعلنت «القيادة المركزية الأميركية» (سنتكوم)، ليل أول من أمس، أن الحصار البحري سيُطبّق على السفن التي تتردّد على الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية. وجاء قرار إعادة فرض الحصار، بأمر من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بعد أيام من تبادل الهجمات بين واشنطن وطهران على خلفية النزاع المتصاعد حول السيطرة على مضيق هرمز. وفي حين تصرّ إيران على أن «مذكرة التفاهم» تمنحها حق تحديد مسارات العبور في المضيق، يدّعي ترامب أن قوات بلاده تفرض سيطرتها على «هرمز»؛ وهو، بعد إعلانه فرض رسوم بنسبة 20 في المئة على السفن العابرة من هناك، غيّر رأيه فجأة، وقرّر استبدال هذه النسبة بصفقات تجارة واستثمار ستبرمها دول الخليج المختلفة مع الولايات المتحدة، بحسب زعمه أمس.

الشرق الأوسط يقف على أعتاب واحد من أكثر منعطفاته التاريخية خطورة

وفيما لم يَصدر أيّ موقف رسمي عن السلطات الإيرانية يوضح ما إذا كانت لا تزال تعتبر «مذكرة» التفاهم قائمة أم لا، أكد «الحرس الثوري»، في بيان، أن مضيق هرمز لن يفتح أبداً إلا وفق الترتييبات الإيرانية. وبدوره، قال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، أمس، إنه «عملياً لم تعُد هناك مذكرة تفاهم»، مبرّراً ذلك بأن الولايات المتحدة دخلت الحرب رسمياً، وخرقت بنوداً عدّة من الاتفاق. وأضاف أن «العقوبات أُعيد فرضها، والحصار عاد مجدّداً، فيما داست واشنطن أيضاً، في لبنان، على أجزاء أخرى من التفاهم».
وتشير سلسلة التطورات الأخيرة، من الغارات الجوية الواسعة على المدن الساحلية والصناعية الإيرانية، إلى الردّ الصاروخي الذي نفذته قوات «الحرس الثوري» والجيش ضدّ قواعد أميركية في دول مجاورة، وصولاً إلى الإعلان الرسمي من ترامب عن استراتيجية الحصار البحري على إيران، إلى أن المنطقة تقف مجدّداً على أعتاب واحد من أكثر منعطفاتها التاريخية خطورة؛ وهو وضع يبدو، قبل كلّ شيء، نتيجة مباشرة للتعنّت الأميركي وانسداد قنوات الدبلوماسية.

إزاء ذلك، ترتسم ثلاثة سيناريوات لما يمكن أن يفضي إليه الوضع الحالي: السيناريو الأول يتمثّل في حرب استنزاف منخفضة الوتيرة بين الطرفَين. ووفق هذا الاحتمال، قد تتراجع الهجمات الجوية الأميركية المباشرة على البنى التحتية الحيوية في إيران، لكن ساحة الاشتباك الأساسية ستنتقل إلى البحر. إذ ستسعى الولايات المتحدة إلى دفع مشروع الحصار البحري عبر اعتراض ناقلات النفط الإيرانية أو منعها من الحركة، فيما ستردّ إيران باستخدام المسيّرات والزوارق المسيّرة، وباستهداف سفن تجارية تعود إلى حلفاء واشنطن، بما من شأنه رفع كلفة التأمين البحري إلى مستوى غير قابل للاحتمال بالنسبة إلى الجميع.

أما السيناريو الثاني، فهو الانزلاق إلى حرب شاملة. ففي حال مضت «سنتكوم» في تطبيق الحصار البحري بحزم، ومنعت فعلياً صادرات النفط الإيرانية من العبور، قد تلجأ إيران إلى خيارها الأخير، أي الإغلاق الكامل لمضيق هرمز. وعندها، يمكن أن تبادر أيضاً إلى تصعيد استهدافها القواعد الأميركية الرئيسة في المنطقة بصواريخها الباليستية، فيما تدخل الجبهات الحليفة في اليمن والعراق ولبنان في مواجهة موحّدة ضدّ مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. ومن شأن ذلك أن يفضي إلى وقف كامل لصادرات نفط الخليج، وتعميق الأزمة الاقتصادية العالمية.

وبالنسبة إلى السيناريو الثالث، فهو دبلوماسية تحت ظلال الحرب، تقوم على عودة المفاوضات بعد مرحلة من استنزاف الطرفَين عسكرياً. وضمن هذا المسار، قد يستخدم ترامب «فنّ الصفقة» الذي يتبنّاه، من أجل دفع إيران إلى القبول بترتيبات ملاحية جديدة في «هرمز». وفي المقابل، ستحاول طهران، عبر ورقة الردود الصاروخية، الاحتفاظ بعناصر القوة على طاولة التفاوض، تمهيداً لاحتمال التوصل إلى مذكرة تفاهم مؤقتة جديدة. إلا أن الراديكالية التي تحكم البيت الأبيض اليوم تجعل فرص السيناريو الأخير، على المدى القريب، شديدة الضعف.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى