خفابا “زيارة ماكرون”.. مبادرة فرنسية تضع سلطة الجولاني على المحك

ربطت مصادر مطلعة في مجلس الشعب بدمشق قرار تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس، والتي كانت مقررة يوم الإثنين، بالزيارة الدبلوماسية البارزة التي سوف يجريها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة السورية. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتسارع فيه التحركات الدولية لفرض مسارات انتقال سياسي حقيقي، حيث يحمل الإليزيه مبادرة متكاملة تهدف إلى إلزام سلطة الأمر الواقع برئاسة أبو محمد الجولاني بالبدء الفوري في تنفيذ القرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار الأممي 2254، تزامناً مع انسداد الأفق السياسي الداخلي بعد التطورات الإدارية والعسكرية الشاملة التي شهدتها البلاد أواخر عام 2024.
وتتمحور المبادرة الفرنسية، بحسب التسريبات، حول إعادة صياغة المؤسسة العسكرية السورية كركيزة أساسية لإدارة المرحلة الانتقالية، عبر طرح العميد مناف طلاس لتولي حقيبة وزارة الدفاع. وتنص الرؤية المطروحة على دمج 75% من قوام الجيش السوري السابق ذي العقيدة العلمانية، على أن تُستكمل النسبة المتبقية البالغة 25% من عناصر الجيش الحر، شريطة خضوع كافة هذه العناصر لدراسة أمنية وفكرية شاملة ومعمقة تضمن تبنيهم التام للفكر العلماني وخلوّهم من أي عقيدة جهادية أو تكفيرية، على النقيض من العقيدة المسيطرة حالياً على عناصر وزارتي الدفاع والداخلية التابعتين لسلطة الجولاني.
وفي محاولة لتبديد المخاوف الكبرى لدى الأقليات السورية، تسعى المبادرة إلى إنهاء حالة الجيش ذي اللون الطائفي الواحد المسيطر اليوم، واستبداله بمؤسسة وطنية تشارك فيها كافة المكونات من كرد ودروز وعلويين ومسيحيين. وتأتي هذه الخطوات استجابة للقلق الدولي والإقليمي المتزايد من تغلغل فصائل كانت تابعة لتنظيم “داعش” وتحمل فكراً جهادياً متطرفاً تحت مظلة الهيكلية الحالية. وضمن التوزيع القيادي المقترح لطمأنة الشارع، تمنح المبادرة المكون الكردي دوراً بارزاً عبر تسمية قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، قائداً عسكرياً يمثل المكون الكردي، إلى جانب تعيين شخصية درزية في منصب رئيس أركان الجيش لتمثيل الدروز داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم السقوف المرتفعة للمبادرة الفرنسية، تشير القراءة السياسية للمشهد إلى عقبات معقدة أبرزها الرفض التركي الصارم؛ إذ تهيمن أنقرة بشكل كبير على القرار في دمشق، ويحمل أكثر من نصف أعضاء مجلس الشعب الحاليين الجنسية التركية. وبموازاة هذا التعثر المفترض، تؤكد المصادر أن المتغيرات الحقيقية تجري هندستها عبر خطوط الاتصال المباشرة بين واشنطن وموسكو، والتي كان آخرها الاتصال المطول بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب؛ حيث جرى ربط الملف السوري بملف التسوية الأوكرانية الشاملة المرتقب نقاشها على هامش قمة الناتو في أنقرة وخلال زيارات مستشاري ترامب إلى موسكو بحلول نهاية أغسطس. وتتجه هذه المعطيات الدولية نحو فرض واقع سياسي جديد يرى أن استقرار البلاد لن يتحقق دون رحيل سلطة الجولاني، لا سيما بعد توقيعه الإعلان الدستوري في مارس 2025 الذي احتكر الصلاحيات لمد خمس سنوات، وسط اتهامات دولية متزايدة للسلطة الحالية بارتكاب فظائع وتطهير عرقي بحق الأقليات منذ صعودها إلى السلطة.



