معركة السكك والممرات الاقتصادية.. اندفاعة تركية عبر بوابات دمشق لعزل “حلفاء الشرق”

كشفت تقارير إعلامية عبرية مؤخراً عن تحركات استراتيجية متسارعة تجري خلف الكواليس لإعادة رسم خارطة ممرات التجارة الدولية، حيث برزت دمشق كحلقة وصل أساسية في مناورة جيوسياسية واسعة تقودها أنقرة، صاحبة النفوذ الحقيقي والسيطرة الفعلية على الجغرافيا السورية اليوم. وفي هذا السياق، أفادت هيئة البث الإسرائيلية “كان” بأن وزير المالية في سلطة الأمر الواقع بدمشق، يسر برنية، سجل حضوراً مفاجئاً في قمة مجموعة السبع التي عُقدت في باريس، حيث طرحت دمشق وأنقرة مقترحاً مشتركاً لدمج سوريا وتركيا في مشروع الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا (IMEC). وجاء هذا الطرح ليمثل محاولة عنيدة ومباشرة لتقديم المسار السوري-التركي كبديل استراتيجي للمسار الإسرائيلي المستهدف أصلاً في المشروع، مستغلين أزمة مضيق هرمز واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية الشديدة التي تلت الحرب الأخيرة مع إيران لتقديم أنفسهم كخيار أمثل وأكثر استقراراً لطرق التجارة العالمية.
هذه التحركات التركية الحثيثة، والتي توظف فيها سلطة الأمر الواقع بدمشق كواجهة تنفيذية خاضعة لإرادتها، لا تستهدف فقط إعادة تموضع أنقرة اقتصادياً، بل تقع في عمق الصراع الدولي ضد المعسكر الشرقي؛ إذ يمثل ممر خط الحرير الهندي في جوهره خطة استراتيجية لعزل وتطويق الممرات التجارية التابعة لكل من الصين وروسيا وإيران. ومن هنا، يتبلور تساؤل تحليلي ملحّ حول مدى قدرة هذه القوى الدولية والإقليمية المتضررة على البقاء في موقع المتفرج أمام خطة خنق نفوذها وعزل ممراتها الحيوية، وما إذا كانت موسكو وبكين وطهران ستقف مكتوفة الأيدي دون تحرك رادع أمام هذا التمدد التركي الذي يقوض مصالحها الحيوية في المنطقة ويسلبها أوراق القوة الاقتصادية.
وفي خط موازٍ، يعكس هذا التنافس المحموم على الممرات التجارية أبعاد النزاع التركي-الإسرائيلي المتصاعد، حيث تسعى أنقرة لسحب البساط الاستراتيجي من تحت أقدام تل أبيب عبر فرض واقع بري جديد. ووفقاً للتقرير الإسرائيلي، فإن تل أبيب لم تلتفت إلى هذه التحركات التي جرت “تحت الرادار” إلا مؤخراً، وهي تحاول اليوم جاهدة “احتواء الأضرار” الصادمة بعد الإعلان الرسمي عن مشروع الربط السككي الذي يربط السعودية بتركيا مروراً بالأراضي السورية. ورغم هذا الاندفاع، تصطدم الرغبة التركية بتحفظات أوروبية صارمة؛ إذ تخشى دول أوروبية كبرى من تعميق تبعية القارة الاقتصادية لسياسات أردوغان وطموحاته، وتفضل التمسك بالمسار الأصلي عبر إسرائيل مع دمج الأردنيين والفلسطينيين فيه، مما يضع سلطة الأمر الواقع في دمشق في موضع التابع الذي يتحرك في فلك إستراتيجيات إقليمية أوسع تتجاوز قدرته على التأثير أو القرار.



