
لم يكن ظهور وليد جنبلاط في برنامج شاهد على العصر مع أحمد منصور مجرد استعادة لذكريات سياسية، بل بدا أقرب إلى لحظة انكشاف غير محسوبة، خرج فيها الخطاب من طور المناورة إلى طور الاعتراف، ولو بصيغة انتقائية. ما قيل في المقابلة لا يقدّم فقط رواية ذاتية، بل يفتح الباب أمام قراءة أكثر حدّة لطبيعة الزعامة الجنبلاطية، ووظيفتها التاريخية، وحدود مشروعها السياسي.
أولًا: انتقائية التاريخ وتبييض السلطنة
إصرار جنبلاط على تقديم الدولة العثمانية كإطار “جامع” للمسلمين ليس مجرد رأي، بل إعادة تدوير لسردية تخدم تموضعًا سياسيًا معاصرًا. هذا التوصيف يتجاهل عمدًا وقائع الصدام مع قوى محلية، ويقفز فوق نماذج تاريخية مضادة، أبرزها تجربة فخر الدين المعني الثاني الذي مثّل، في لحظة مفصلية، مشروعًا سياسيًا حاول كسر الهيمنة العثمانية وبناء توازنات أكثر استقلالية.
المفارقة هنا أن الخطاب الجنبلاطي لا يخطئ في قراءة التاريخ بقدر ما ينتقي منه ما يخدمه، فيحوّل الذاكرة إلى أداة سياسية، ويعيد صياغة الماضي لتبرير الحاضر.
ثانيًا: من “سياسة القناصل” إلى وراثة الدور
لفهم هذا التموضع، لا بد من العودة إلى ما يمكن تسميته بـ“سياسة القناصل” التي ارتبطت تاريخيًا ببعض البيوتات السياسية في جبل لبنان، ومنها آل جنبلاط. هذه السياسة لم تكن مجرد علاقات خارجية، بل نمطًا كاملاً من إدارة النفوذ يقوم على الارتهان لتوازنات القوى الإقليمية والدولية، وتقديم الذات كوسيط محلي لوظائف تتجاوز الداخل.
ما يكشفه خطاب جنبلاط اليوم، بشكل مباشر أو غير مباشر، هو استمرار هذا النهج بصيغ محدثة: تموضع مرن بين المحاور، تبديل في التحالفات وفق المصلحة، وحرص دائم على البقاء داخل شبكة النفوذ لا خارجها. بهذا المعنى، لا تبدو الزعامة الجنبلاطية نتاج تمثيل داخلي صرف، بقدر ما هي امتداد لدور تاريخي يقوم على التكيّف مع الخارج أكثر مما يستند إلى مشروع داخلي متماسك.
ثالثًا: العائلة كأداة سلطة
اعترافات جنبلاط حول والده كمال جنبلاط ووالدته ابنة شكيب أرسلان تكشف جانبًا آخر من بنية هذه الزعامة: تداخل العائلي والسياسي إلى حد يصعب فصلهما. الزواج الذي حمل أبعادًا سياسية، والدور الذي لعبته الأم في إدارة المختارة لعقود، كلها مؤشرات على أن السلطة لم تكن يومًا مسألة مؤسسات، بل شبكة علاقات عائلية مغلقة يُعاد إنتاجها جيلاً بعد جيل.
هذا النمط لا يعزّز فقط احتكار القرار، بل يرسّخ أيضًا ثقافة الطاعة داخل البيئة الحاضنة، حيث تتحوّل الزعامة إلى ما يشبه الإرث غير القابل للمساءلة.
رابعًا: البراغماتية كغطاء للانتهازية
في حديثه عن مرحلة الستينيات، يقرّ جنبلاط بعلاقات والده المتشابكة خلال أحداث انقلاب 1961 في سوريا، بما في ذلك التواصل مع شخصيات مثل عبد الحميد السراج في ظل نفوذ جمال عبد الناصر. كما يقدّم قراءة لعلاقة كمال جنبلاط بالقوى الفلسطينية بوصفها جزءًا من معادلة داخلية لتعديل ميزان القوى.
هذه المقاربة، التي تُسوّق غالبًا تحت عنوان “البراغماتية”، تطرح سؤالًا أكثر قسوة: أين ينتهي التكيّف السياسي وأين تبدأ الانتهازية؟ حين تتحوّل القضايا الكبرى إلى أدوات في لعبة التوازنات، يصبح الخط الفاصل بين المبدئي والوظيفي شديد الهشاشة.
خامسًا: تضخّم الدور وحدود الزعامة
لا يقف الخطاب الجنبلاطي عند حدود الداخل اللبناني، بل يمتد إلى ملفات تخص دروز المنطقة، من سوريا إلى “إسرائيل”. هذا التوسّع يشي برغبة في تكريس دور يتجاوز الجغرافيا اللبنانية، لكنه في الوقت نفسه يفتح بابًا واسعًا للتشكيك في مشروعية هذا الادعاء.
فالزعامة التي لا تستند إلى تفويض واضح من خارج بيئتها المباشرة، تتحوّل إلى عبء أكثر منها قوة، خصوصًا عندما تتقاطع مواقفها مع تعقيدات سياسية وأمنية تخص مجتمعات أخرى.
سادسًا: لحظة الانكشاف—لماذا الآن؟
السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يدفع جنبلاط إلى هذا القدر من الصراحة الآن؟
الاحتمال الأول أن الرجل يقرأ تحولات عميقة في البيئة السياسية، داخليًا وإقليميًا، ويدرك أن قواعد اللعبة تتغيّر، فيحاول إعادة تموضع استباقي.
أما الاحتمال الثاني، وهو أكثر حدّة، فيفترض أن هذه الصراحة ليست سوى تعبير عن ثقة مفرطة بقدرة الزعامة على الاستمرار، مهما كُشف من تناقضات، بفعل تماسك البنية التقليدية التي تحكم العلاقة مع الجمهور.
خلاصة
ما تكشفه مقابلة جنبلاط يتجاوز حدود السيرة الذاتية إلى تفكيك نمط كامل من العمل السياسي:
سردية تاريخية انتقائية، إرث من “سياسة القناصل”، تداخل عائلي-سياسي، وبراغماتية تقترب أحيانًا من حدود الانتهازية.
في المحصلة، لا تبدو الأزمة في ما قاله جنبلاط بقدر ما تكمن في ما يمثّله هذا القول: نموذج زعامة تقليدية يواجه اختبارًا حقيقيًا في زمن تتآكل فيه المسلّمات، ويُعاد فيه تعريف الشرعية السياسية على أسس مختلفة.



