
تلقّى لبنان، بكثيرٍ من الحذر، التسريبات حول احتمال إعلان حكومة العدو وقفاً لإطلاق النار. وفيما حرصت أوساط الرئيس جوزيف عون على تسريب معلومات حول ضغوط أميركية على إسرائيل بناءً على طلبٍ لبناني، ربطاً بالاجتماع الذي عُقد قبل يومين في واشنطن بين السفيرة اللبنانية وسفير الكيان برعاية أميركية، أشارت وسائل إعلام غربية وعبرية إلى أنّ الضغط الأميركي يهدف إلى فرض هدنة لمدة أسبوع، من دون أن يكون لذلك صلة مباشرة بلقاء واشنطن، بل بالمحادثات الجارية في المنطقة.
غير أنّ المعطيات المتوافرة حتى ليل أمس أظهرت أنّ تل أبيب رفضت الطلب الأميركي القاضي بشمول لبنان بالهدنة المقرّة مع إيران، ما يعكس توجهاً لدى العدو نحو مواصلة التصعيد العسكري.
وفي السياق، علمت «الأخبار» أنّ السفيرة ندى معوّض أرسلت تقريراً موجزاً إلى رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية حول مجريات اللقاء، في حين خصّت القصر الجمهوري بتقريرٍ مفصّل تضمّن معطيات إضافية. وبحسب مصادر مطّلعة، نقلت معوّض عن السفير الإسرائيلي موقفاً صريحاً مفاده أنّ وقف إطلاق النار لن يتحقّق قبل حصول تطوّر نوعي على الجبهة الإيرانية، مؤكداً مراراً أن مسار الحرب في لبنان يبقى مرتبطاً بما يجري بين واشنطن وطهران.
ومع طلب الولايات المتحدة من حكومة العدو الانخراط في هدنة تمتد حتى الأربعاء المقبل، بدا واضحاً أن النقاش داخل إسرائيل معقّد. وقد جرى تسريب شروط منسوبة إلى الجيش الإسرائيلي، من بينها عدم تقييد حرية حركته في كامل الأراضي اللبنانية خلال أي هدنة، ورفض أي انسحاب من الجنوب قبل شروع لبنان في نزع سلاح حزب الله، وهي شروط تعكس توجهاً عملياً نحو إطالة أمد الحرب.
وفي هذا الإطار، يواصل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو سعيه إلى تحقيق «صورة نصر»، واضعاً لذلك أهدافاً ميدانية رمزية، من بينها الوصول إلى ملعب مدينة بنت جبيل وفرض سيطرة كاملة على البلدة. وقد أعاد أمس التذكير بما قاله الشهيد السيد حسن نصرالله في المكان نفسه قبل 26 عاماً، حين وصف إسرائيل بأنّها «أوهن من بيت العنكبوت».
بري: عادوا من أميركا لقتال حزب الله
في هذه الأثناء، لا يخفي رئيس مجلس النواب نبيه بري انزعاجه واستياءه من خطوة رئيسي الجمهورية والحكومة بالانخراط في مسار تفاوضي مباشر مع كيان العدو. ويكرّر أمام زوّاره رفضه القاطع لأي شكل من أشكال التفاوض المباشر مع إسرائيل، مؤكداً أنّ الأولوية يجب أن تبقى لوقف إطلاق النار وتحصين السلم الأهلي ومنع الانزلاق إلى الفتنة الداخلية. ويشير إلى أنّ هذا الموقف ليس جديداً، بل عبّر عنه مراراً، وآخرها في بيان هيئة الرئاسة في حركة أمل قبل أيام، كما في بيان الهيئة التنفيذية للحركة أول من أمس.
وفي تعليقه على البيان الذي صدر عقب اللقاء الذي جمع السفيرة اللبنانية بسفير كيان العدو في واشنطن، عبّر بري لـ«الأخبار» عن استغرابه من المسار الذي سلكه المسؤولون، قائلاً إنهم «ذهبوا إلى الولايات المتحدة للإتيان بوقف إطلاق النار، فعادوا ليُقاتلوا حزب الله»! مشيراً إلى أنّ التخلي عن الانخراط في عملية تفاوضية ضمن مسار إقليمي أوسع، والذهاب إلى تفاوض منفرد من دون امتلاك أوراق قوة، يضعف موقع لبنان بدل أن يعزّزه.
وسعت المقاومة نطاق العمليات وأدخلت نمطاً يستهدف نقاط الانتشار ومنع تثبيت العدو في أي نقطة على الحدود
بري، الذي علمت «الأخبار» أنه على تواصل يومي مع الجمهورية الإسلامية في إيران، ذكّر بأنه تبلّغ من وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي، قبل إعلان الهدنة بين إيران والولايات المتحدة، تأكيداً بأن طهران لن تقبل بأي وقفٍ لإطلاق النار لا يشمل لبنان. وأضاف أنه «بعد التشويش الذي حصل في بيروت على هذا المسار، قرّرت التحرك عبر قنواتٍ أخرى».
وفي هذا الإطار، يلفت بري إلى أنّ إرسال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل إلى الرياض جاء بناءً على طلب سعودي، في سياق مساعٍ سياسية واضحة، «وهو لم يذهب إلى هناك للكزدرة أو لأداء العمرة».
بنت جبيل: عقدة استنزاف
وفي إطار التصعيد المنظّم، واصلت المقاومة عملياتها على مستويات تراوحت بين الردود الموضعية والاشتباك البري المباشر، والضغط الصاروخي على المستوطنات، وبقيت بنت جبيل في موقعها كمركز الثقل الذي تتكثّف عنده محاولات التقدّم الإسرائيلي. علماً أن الأخبار الميدانية عكست فشل العدو في السيطرة والتثبيت داخل المدينة، رغم الدفع بوحدات نخبوية في محاولة لاختراقها من محاور عدة، أبرزها اتجاه مارون الراس. وواجهت هذه المحاولات نمطاً قتالياً مركّباً، يجمع بين الكمائن القريبة والضربات النارية الكثيفة. وتُظهر العمليات المنفّذة أن المقاومة لا تكتفي باستهداف القوات المتقدّمة، بل توسّع دائرة الاشتباك لتشمل خطوط الإمداد والإخلاء، بما يحوّل أي تقدّم إلى مخاطرة مضاعفة. وبذلك، سجلت المقاومة عشرات الإصابات في صفوف جنود العدو الذي اعترف بإصابات خطيرة لخمسة من جنوده.
وتبرز في هذا السياق كثافة نارية لافتة، مع تسجيل عشرات الدفعات الصاروخية باتجاه تجمعات القوات الإسرائيلية داخل المدينة ومحيطها، إلى جانب استهداف آليات هندسية وعسكرية، من بينها جرافات ودبابات. هذا النمط يعكس اعتماد تكتيك «الإغراق الناري» لمنع تثبيت المواقع، بالتوازي مع إدخال المسيّرات الانقضاضية كعنصر حاسم في ضرب الأهداف الدقيقة وتعطيل حركة القوات.
في موازاة ذلك، تتكشّف معالم جبهة إسناد واسعة تعمل على تقويض القدرات الإسرائيلية الداعمة للعملية البرية. فقد طاولت الهجمات مواقع عسكرية وقواعد تُعدّ مفاصل أساسية في إدارة العمليات، إلى جانب استهداف مرابض المدفعية التي توفّر الغطاء الناري للقوات المتقدمة. كما برزت محاولات واضحة لتقييد التفوق الجوي الإسرائيلي، عبر التصدي للطائرات المسيّرة والمروحيات، ما يفرض تحديات إضافية على فعالية الإسناد الجوي.



