ملفات ساخنة

هل يقود خطاب ترامب إلى صدام حضاري شامل؟ بقلم: د.هشام الاعور

مع تصاعد مؤشرات المواجهة الكبرى بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد المشهد محصورًا في حسابات القوة العسكرية أو التوازنات السياسية التقليدية.

فالتصعيد الأخير، وما رافقه من خطاب متشدد، ساهم في نقل الصراع إلى مستوى أكثر خطورة، مستوى يلامس البعد الحضاري والرمزي. وعندما يتحول الحديث من احتواء دولة أو مواجهة نظام، إلى التلويح باستهداف “حضارة” بكاملها، فإننا نكون أمام انزلاق نحو منطق صراعات يتجاوز الحاضر إلى عمق التاريخ.
في هذا الإطار، برزت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفها نقطة تحول في توصيف الصراع، إذ أعادت صياغته من نزاع جيوسياسي إلى ما يشبه مواجهة حضارية. هذا التحول في الخطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخ طويل من الصراعات التي جرى تأطيرها على أنها صدام بين حضارات، حتى وإن كانت في جوهرها صراعات نفوذ ومصالح.

تاريخيًا، لم تكن الحروب الكبرى مجرد نزاعات على الأرض أو السلطة، بل غالبًا ما جرى تقديمها كمعارك بين هويات كبرى. من الحروب بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، إلى الصدامات اللاحقة بين الشرق والغرب، وصولًا إلى الحروب الحديثة التي أُلبست أثوابًا أيديولوجية وثقافية، ظل البعد الحضاري حاضرًا كأداة تفسير وتعبئة. ومع ذلك، يُظهر التاريخ أن الحضارات لم تكن كيانات مغلقة تتصارع فقط، بل كانت أيضًا تتفاعل وتتلاقح، وتبني فيما بينها جسور التأثير المتبادل.
الحضارة الفارسية، التي تُستحضر اليوم في قلب هذا السجال، ليست مجرد كيان سياسي معاصر، بل امتداد تاريخي عميق ساهم في تشكيل ملامح المنطقة والعالم، من الفكر والإدارة إلى الأدب والعلوم. وبالتالي، فإن استهدافها في الخطاب لا يُقرأ فقط كتصعيد سياسي، بل كإشارة إلى تحول خطير في طبيعة الصراع، حيث تُستحضر الهويات الحضارية كأهداف بحد ذاتها.
غير أن استدعاء مفهوم “صراع الحضارات” في هذا السياق يطرح تساؤلات جوهرية: هل نحن فعلًا أمام مواجهة حضارية، أم أن هذا التوصيف يُستخدم لتضخيم الصراع وإضفاء طابع وجودي عليه؟ التجربة التاريخية تشير إلى أن القوى الكبرى غالبًا ما تلجأ إلى هذا النوع من الخطاب لتبرير سياساتها أو لحشد التأييد الداخلي والخارجي.
ما يزيد من خطورة هذا المسار هو أنه يُعيد إنتاج العالم وفق ثنائيات حادة: شرق مقابل غرب، حضارة مقابل أخرى، ما يُسهم في تعميق الانقسامات وإضعاف فرص التسوية. فعندما تُقدَّم الحروب على أنها دفاع عن “الهوية” أو “الوجود الحضاري”، يصبح التراجع أو التفاوض أشبه بالتنازل الوجودي، وهو ما يطيل أمد الصراعات ويزيد من كلفتها.
في ضوء ذلك، تبدو المواجهة الراهنة، رغم طابعها العسكري والسياسي، مهددة بالتحول إلى صراع مفتوح على مستوى الرموز والهويات. وهذا التحول، إن ترسخ، لن يقتصر أثره على أطراف النزاع المباشرين، بل سيمتد ليطال بنية النظام الدولي برمته، ويعيد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل التعايش بين الحضارات في عالم يزداد اضطرابًا.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في احتواء التصعيد العسكري، بل في كبح الانزلاق نحو خطاب يُحوّل الصراع إلى مواجهة حضارية شاملة. فالتاريخ، على قسوته، يُعلّم أن الحروب التي تُخاض باسم الحضارات تكون الأكثر تدميرًا، والأصعب نهاية.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى