مرجعيون وما بعدها: لبنان في اختبار الجغرافيا والسيادة وسط التحوّل الإقليمي
بقلم: د. هشام الأعور

لم يكن خبرُ تقدّم الجيش الإسرائيلي متجاوزًا بلدة الخيام ووصوله إلى مشارف إبل السقي ومرجعيون تفصيلاً ميدانياً عابراً في سياق حربٍ تتسع رقعتها، بل إشارة كثيفة الدلالات إلى أن الجنوب اللبناني عاد ليكون عقدةً جيوسياسية في قلب إعادة ترتيب الإقليم.
فهذه الجغرافيا لم تكن يوماً مجرد مساحة حدودية، بل شكلت تاريخياً بوابة الجنوب وممرّ التحولات الكبرى، من زمن الاحتلال الإسرائيلي السابق وصولاً إلى حرب تموز 2006، حيث تكرّست معادلات ردع جديدة غيّرت توازن القوى على الجبهة الشمالية لإسرائيل.
اليوم، يبدو أن نمط الحرب قد تبدّل. فالمواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران لم تعد تُدار فقط عبر الضربات المحسوبة أو الحروب بالوكالة، بل دخلت طوراً يمكن وصفه بحرب إعادة تشكيل المجال الأمني.
في هذا الإطار، لا يُقرأ أي تقدّم بري في العمق الجنوبي بوصفه عملاً تكتيكياً محدوداً، بل باعتباره جزءاً من محاولة أوسع لفرض وقائع ميدانية جديدة تُعيد رسم قواعد الاشتباك وتؤسس لبيئة ردع مختلفة عمّا استقر منذ عام 2006. الهدف الظاهر هو إبعاد مصادر التهديد عن الحدود الشمالية، لكن الهدف الأعمق يتصل بإعادة تثبيت التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي في لحظة إقليمية مضطربة.
الجنوب اللبناني لم يعد منذ سنوات جبهة ثنائية بين دولتين، بل تحوّل إلى نقطة تماس ضمن شبكة صراعات تمتد من غزة إلى العراق مروراً بسوريا واليمن. ومن هنا، فإن أي تحرك عسكري في تلك البقعة يتجاوز الإطار المحلي، ليصبح رسالة متبادلة في سياق الاشتباك الإسرائيلي–الإيراني، كما يصبح مادة مراقبة دقيقة من القوى الدولية الكبرى التي ترى في هذه الحرب محطة من محطات إعادة التموضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط. إننا أمام لحظة انتقالية، تتقاطع فيها حسابات الأمن القومي مع رهانات النفوذ الإقليمي ومع التحولات الأوسع في بنية النظام الدولي.
وسط هذا المشهد، يقف لبنان في موقع بالغ الهشاشة: دولة ذات سيادة معترف بها قانونياً، لكنها واقعة عملياً داخل حقل تجاذبات يتجاوز قدرتها على التحكم الكامل بمساراته. فالسؤال الذي يطرحه أي توغل عسكري داخل الأراضي اللبنانية ليس عسكرياً فحسب، بل وجوديٌّ في جوهره: كيف تحافظ دولة على سيادتها حين تصبح أرضها مسرحاً لصراعات الآخرين؟ المعضلة هنا لا تتعلق فقط بتوازن القوى، بل ببنية القرار الوطني نفسه، وبمدى قدرة المؤسسات على إنتاج سياسة جامعة في زمن الانقسام.
المخاطر تتدرج تبعاً لمسار العمليات. قد يكون ما يجري عملية محدودة الأهداف تنتهي بانسحاب سريع بعد تحقيق غايات عسكرية مباشرة، وقد يتطور إلى فرض حزام أمني مؤقت يعيد إلى الأذهان مرحلة ما قبل عام 2000، وقد ينزلق – وهو الاحتمال الأخطر – إلى مواجهة واسعة تضع لبنان مجدداً في قلب حرب إقليمية مفتوحة. في السيناريو الأخير، لا تعود الجغرافيا مجرد ساحة اشتباك، بل تتحول إلى ورقة تفاوض كبرى في صراع يتجاوز حدودها.
أمام هذه الاحتمالات، لا يملك لبنان ترف الانتظار. فالحركة الدبلوماسية الفاعلة لوقف أي تثبيت لوقائع ميدانية بالقوة تصبح ضرورة، كما أن توحيد الموقف الداخلي حول أولوية حماية السيادة يشكل شرطاً أولياً لأي قدرة على الصمود. غير أن ما هو أبعد من إدارة الأزمة الآنية يكمن في صياغة رؤية استراتيجية طويلة المدى تخرج البلاد من موقع الساحة إلى موقع الفاعل، وتعيد تعريف العلاقة بين قرار السلم والحرب ومفهوم الدولة.
ما يجري في الجنوب ليس حادثة حدودية عابرة، بل فصل من لحظة تاريخية يعاد فيها تشكيل الإقليم. وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس قوة الدول فقط بعديدها العسكري، بل بقدرتها على قراءة التحولات الكبرى والتصرف ضمنها بوعي استراتيجي يوازن بين الواقعية والطموح. أما لبنان، الواقف مرة أخرى على خط النار، فمستقبله لن تحدده حركة الصواريخ أو الدبابات وحدها، بل قدرته على تحويل الخطر إلى لحظة وعي سياسي تعيد بناء معنى السيادة في أرض اعتادت أن تكون مسرحاً لتصادم المشاريع الكبرى.



