
يثير المشهد اللبناني الراهن قدراً متزايداً من الدهشة القاتمة: كيف لا يزال هذا البلد قائماً شكلياً بدولته ومؤسساته، فيما كل الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية تشير إلى أنه بات في جوهره دولة فاشلة؟ دولة تتآكل من الداخل، يحكمها نظام عاجز أو غير معني، فيما شعبها يُترك فريسة الانهيار والدمار والاحتلال والقتل، من دون أي إحساس حقيقي بالمسؤولية الوطنية لدى من يمسكون بالسلطة.
إن قيام الدولة، في معناها السياسي العميق، لا يختزل بوجود حكومة أو دستور أو مؤسسات إدارية، بل يفترض اجتماع شعب حول سلطة شرعية تعبّر عن مصالحه وتؤمّن له الأمن والعدالة والحد الأدنى من الرعاية. وهذا الاجتماع، كما صاغه الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، لا يتحقق إلا من خلال “عقد اجتماعي” يقوم على المواطنة، والتكافل، والمصير المشترك، ووحدة الإرادة العامة، ودولة تكون في خدمة المجتمع لا العكس.
غير أن هذا العقد، بكل مضامينه الفلسفية والسياسية، غائب عن التجربة اللبنانية. لم يوجد في الماضي، ولا يظهر في الحاضر، ولا تلوح له ملامح في الأفق المستقبلي. ولعل تشبيه لبنان اليوم بحالة الغيبوبة يعبّر بدقة عن واقعه: جسد حي شكلياً، قلب ينبض، لكن الوعي غائب. فالدولة قائمة بالاسم، فيما الانقسام يتغذى ويتمدّد، حتى بات الميل إلى التفكك أقوى من أي وقت مضى. ومع أن التدخلات الخارجية لعبت دوراً محورياً في تعقيد المأساة اللبنانية، إلا أن جوهر الأزمة يبقى داخلياً، إذ إن عوامل الانهيار كامنة في بنية النظام نفسه.
يعود أول استخدام لمفهوم “العقد الاجتماعي اللبناني” إلى المؤرخ كمال الصليبي في كتابه “تاريخ لبنان الحديث” الصادر عام 1965. وقد أشار فيه إلى التفاهم الذي توصّل إليه زعماء الطوائف في جبل لبنان عقب اقتتال دموي امتد من عام 1841 إلى عام 1861، وانتهى بتسوية قوامها تقاسم المصالح الإقطاعية والتعاون في مواجهة الأخطار الخارجية، سواء تمثلت بالجيش المصري أو بالتدخلات الدولية اللاحقة. وأسفر هذا التوافق عن نظام حكم ذاتي بضمانة دولية عام 1861.
لقد أتاح هذا النظام لجبل لبنان فترة من الاستقرار النسبي، غير أن حداثته اصطدمت سريعاً بالبنية التقليدية للزعامات الإقطاعية، التي رأت فيه تهديداً مباشراً لنفوذها. فواجهته جماعياً، مستندة إلى عصبياتها الطائفية المسلحة. وأمام هذا الواقع، لجأ أول متصرف، داود باشا، إلى استيعاب هؤلاء الزعماء داخل مؤسسات الدولة، عبر منحهم مناصب وأدواراً في الإدارة والدرك والجباية. وهكذا تشكّل نموذج حكم قائم على تسوية مزدوجة: توافق طائفي داخلي تحميه مظلة خارجية.
غير أن هذا النموذج لا يمت بصلة إلى مفهوم العقد الاجتماعي بالمعنى الذي قصده روسو. فهو لا يقوم على إرادة شعبية عامة، ولا على مساواة المواطنين، ولا على دولة حديثة في خدمة المجتمع، بل على صفقة مصالح بين نخب طائفية، تُدار تحت إشراف أو حماية خارجية. ويبدو أن الصليبي نفسه كان مدفوعاً بتفاؤل مبكر، إذ ختم كتابه عام 1964 بخلاصة إيجابية عن التجربة اللبنانية، رغم ما شهده من أزمات، واعتبر لبنان بلداً ديمقراطياً حراً.
إلا أن هذا التفاؤل تلاشى لاحقاً. ففي كتابه “بيت بمنازل كثيرة” الصادر عام 1988، عاد الصليبي بنبرة تشاؤمية حادة، في خضم حرب أهلية مدمّرة. وخلص إلى أن لبنان من أكثر المجتمعات انقساماً، وأن العداء المتبادل بين مكوناته المسيحية والإسلامية بات بنيوياً. كما أعاد تفكيك السردية التأسيسية للدولة اللبنانية منذ عام 1920، معتبراً أنها قامت على توافقات هشة بين الزعامات، لا على هوية وطنية جامعة أو عقد اجتماعي فعلي.
لقد برهنت التجربة اللبنانية منذ الاستقلال أن هذا البلد غير قادر على تحمّل أعباء الانقسام الطائفي في ظل غياب وعي شعبي جامع بالوحدة الوطنية. بل إن الزعامات السياسية تعمل، عن قصد أو مصلحة، على إبقاء هذا الوعي في حالة وهن دائم، لأنه يشكّل ركيزة لاستمرار نفوذها داخل بيئاتها الطائفية. وهكذا يُحافَظ على وحدة لبنان تارة بالقوة، وتارة بالتوازنات الهشة، وتارة عبر مساومات دائمة بين الزعماء، لا انطلاقاً من مشروع وطني، بل من حسابات ضيقة.
ومن هنا يبرز السؤال المؤلم: كيف يمكن لدولة أن تستمر، ولو شكلياً، فيما قسم من شعبها يتمنى الخراب لقسم آخر؟ وكيف يغيب خطاب الوحدة الوطنية عن الرؤساء والوزراء والنواب، في وقت يفترض فيه أن يكونوا حماة العيش المشترك؟ إن هذا الواقع يؤكد، مرة بعد أخرى، أن لبنان يفتقد إلى أي عقد اجتماعي حقيقي، لأن هذا العقد يفترض إرادة واعية بالعيش معاً، وهو ما بات مفقوداً.
وأخيراً، لا بد من التأكيد أن هذا الطرح ليس دعوة إلى الانفصال ولا ترويجاً له، بل صرخة في وجه أهل السلطة. صرخة تطالبهم بتحمّل مسؤولياتهم التاريخية، وبالانتقال من خطاب التحريض والانقسام إلى خطاب يوحّد ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة. فالشعب اللبناني لم يعد يحتمل مزيداً من الجراح، ولم يعد مقبولاً أن تستمر النخب في احتلال مواقع القرار فيما الوطن ينزلق نحو المجهول.



