84 محكوماً ينتظرون «إعفاءهم من الموت»: هل تُلغَى عقوبة الإعدام هذه المرّة؟
زينب حمود - الأخبار

أعاد رفض بلغاريا تسليم لبنان مالك سفينة «رسوسوس» التي حملت نيترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت، بسبب عقوبة الإعدام التي يُشرّعها القانون اللبناني، ولكن «مع وقف التنفيذ» منذ عام 2004، هذه القضية الإشكالية إلى الواجهة مُجدّداً.
إذ ترى «الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية»، أن الظروف باتت مؤاتية، لتطلق (غداً السبت) في 17 كانون الثاني الجاري (تاريخ تنفيذ آخر إعدام قبل 22 عاماً) حملةً لإقرار اقتراح قانون إلغاء الإعدام، الذي أعدّته الهيئة وتبنّاه سبعة نواب، وأُحيل إلى لجنة الإدارة والعدل النيابية لمناقشته. والاقتراح تمّ اختصاره بمادّة واحدة، تنص على إلغاء عقوبة الإعدام أينما وردت، من دون استثناءات، مع ترك مساحة واسعة للنواب من أجل «المناورة».
وحول مصير 84 محكوماً بالإعدام (حتى نهاية عام 2024)، في حال صدور القانون، قال المستشار القانوني لـ«الحملة الوطنية لإلغاء عقوبة الإعدام»، رفيق زخريا، لـ«الأخبار»: «إذا أُلغيت عقوبة الإعدام، فلن تكون هناك إمكانية لإعادة النظر في أحكام نهائية مُبرمة بالإعدام، لكننا اقترحنا استبدال عقوبة الإعدام بالعقوبة القصوى التي تَليها، وهي السجن المؤبّد».
إلى ذلك، ترى مؤسِّسة الحملة أوغاريت يونان الأجواء المرافقة للاقتراح «إيجابية، بدءاً من مطالعة الحكومة التي أيّدت المقترح لعدة أسباب، أهمها توقّف لبنان عن تنفيذ عقوبة الإعدام منذ 22 سنة، ما يدلّ على إرادة سياسية لعدم التنفيذ، والتصويت على تجميد الإعدام في الأمم المتحدة، منذ عام 2020، ما يشير إلى موقف الدولة من الإعدام الذي ينقصه التشريع». وإلى مطالعة الحكومة، أضافت وزارتا العدل والشؤون الاجتماعية مطالعتين خاصتين مؤيّدتين لاقتراح القانون أيضاً.
غالبية نيابية ترفض الإعدام، والتأييد من أسبابه الاعتبارات الانتخابية
أمّا المجلس النيابي، فتشير يونان إلى استفتاءَيْن خطيَّيْن لآراء النواب، يظهران انقسام النواب بين معارض لعقوبة الإعدام بالمطلق، ومن يطالب بإلغائها مع استثناءات، وفريق ثالث مؤيّد لها. وفي الأرقام، «أيّد 68% من النواب إلغاء الإعدام في استفتاء عام 2009، في نتيجة قريبة لاستفتاء عام 2001، الذي صوّت فيه 74% ضدّ الإعدام».
رغم ذلك، لم تمر سبعة مشاريع واقتراحات قوانين سابقة لإلغاء العقوبة. والسبب، في رأي يونان، «آراء الناس ومواقفهم الداعمة للإعدام والتي تضغط على الكتل النيابية، خصوصاً في المواسم الانتخابية». والمعارضة «غالباً ما تأتي من منطلق تشدّد ديني أو تأييد القصاص المطلق والأشد، خصوصاً في الجرائم التي لا يمكن السكوت عنها أو معاقبتها إلّا بالقتل».
لكن، إذا كانت بعض الجرائم، في رأي بعض النواب، من غير الممكن إعفاء مرتكبيها من الإعدام، فيمكن استثناؤها أثناء مناقشة المُقترح في لجنة الإدارة والعدل، وفقاً لما هو معمول به في الدول التي تستثني خيانة الوطن والجرائم ضدّ الأطفال، مثلاً.
يُذكر أن عقوبة الإعدام في لبنان منصوص عليها في 43 مادة قانونية، وقبل عام 2001، كان «القاتل يُقتل»، بغضّ النظر عن الأسباب والظروف المحيطة، بموجب القانون 302/94، الذي أُلغي لاحقاً.
◀ الأسباب الموجبة: «جريمتان لا تصنعان عدالة»
في العموم، هناك موقف شعبي مؤيّد لعقوبة الإعدام، ينطلق بشكل أساسي من النقمة والغضب الانفعالي في وجه جرائم شنيعة مثل القتل واغتصاب الأطفال والتعامل مع العدو الإسرائيلي. وهي جرائم «لا يمكن أن يُسامح مرتكبها أو يُمنح فرصة ثانية للتّوبة، بل يجب أن يُعاقب بالقتل»، في رأي فئة تبدو الطاغية. والسجن في نظرها «عاجز عن الإصلاح، بل يُعدّ مكافأة لبعض النافذين الذين يحوّلون زنزانتهم إلى قلعة، أو المشردين الذين لا يجدون في السجن سوى مأوى».
وتعتقد هذه الفئة أنّ إعدام الجاني ضروري لـ«نُربّي» المجتمع به، وليكون «مثالاً» لغيره. لكن، هل الإعدام هو عقوبة رادعة حقاً؟
الدراسات في آخر 10 سنوات، والتي شملت 110 بلدان متنوعة في أنظمتها وأزماتها، أثبتت أنه لا علاقة سببية علمية بين تطبيق الإعدام وردع الجريمة. على العكس، أظهرت دراسة لباورز وبيرس في نيويورك، في عام 1980، حول نسب الجرائم في نيويورك من عام 1907 إلى عام 1963، تسجيل ما معدّله جريمتان في الشهر بعد كل إعدام، لتتوصل إلى أنّ «عقوبة الإعدام لها مفعول عكسي وليس ردعيّاً، سببه عدوى وحشية عقوبة الإعدام، التي تتجسّد في تقليد الأفراد للسلطات الشرعية التي تمارس العنف».
هل الإعدام يردع؟
و«هذا ما اختبره لبنان بعد إعدام 14 شخصاً بين عامي 1994 و1998 بحجّة التشدّد في ردع الجرائم بعد الحرب الأهلية، من دون أن تنخفض نسبة الجرائم بعدها»، وفق وثيقة «مانيفست لا للإعدام»، لـ«الحملة الوطنية من أجل إلغاء عقوبة الإعدام».
أمّا الحجّة الأساسية من بين 20 حجة في هذه الوثيقة، فتقوم على ما اختصره الراحل وليد صليبي، في شعاره الشهير: «جريمتان لا تصنعان عدالة».
العدد الأكبر من المعدومين منذ الاستقلال فقراء، ومن ثمّ المحكومون السياسيون، والتنفيذ خضع في أكثر الأحيان للتوازن الطائفي
فـ«الإعدام يقتل»، بغضّ النظر عمّن يملك صلاحية القتل. وبتشريعه، يكون القانون، بدلاً من لجم العنف، «سنداً له في أقصى درجاته، عبر تطبيق جريمة قتل علنية، بدقة وتنظيم وبعد توزيع الأدوار (كهندسة خشبة الإعدام)، حتى غدت مراسم الإعدام مصدر آلام ومعاناة أخلاقية أفظع من الموت أو الإعدام نفسه». كما يستحيل مغالاةً في انتهاك الحق في الحياة الذي يحفظه الدستور اللبناني والاتفاقيات الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وعمّا يتردّد حول ضبط تطبيق الإعدام لأعمال الثأر في المجتمع، تستنكر رئيسة الحملة أوغاريت يونان، بالتساؤل: «هل نحدّ من ثأر الأفراد، فنشرّع ثأر الدولة؟»، مشيرةً إلى أنه «في أبحاثنا ومراقبتنا لسوسيولوجيا المجتمع اللبناني، تبين أنّ عادات الثأر تراجعت أساساً، كما إنّ أهالي ضحايا كثُراً رفضوا طلب الإعدام منذ لحظة الجريمة وآخرون ندموا بعد إصرارهم عليه».
التهرّب من المسؤولية
بالنسبة إلى مناهضي الإعدام، فإنّ هذه العقوبة ليست سوى مؤشر على التنصّل من المسؤولية تجاه الضحية والقاتل والمجتمع معاً. فـ«بدلاً من معالجة الأسباب والحدّ منها، وإصلاح المجتمع، وتأهيل القاتل وحماية حقوق ذويه (وليس إعدام عائلة القاتل جرّاء إعدامه)، وحقوق ضحية الجريمة الأولى وذويه، تذهب السلطة إلى الحلّ السريع والأسهل»، تقول يونان.
لذا، تركّز على أولوية معالجة أسباب الجريمة، كشكل من أشكال الوقاية المسبقة لحماية المجتمع. إذ «أظهرت الدراسات أنّ السبب الأول لارتكاب الجريمة هو الفقر وتداعياته (خصوصاً اليأس)، ثم تأتي مناخات الحرب والإرهاب والعنصرية والتحريض الطائفي، وارتباطها بالأحقاد والانتقام». هكذا، تكون مسؤولية القاتل عن ارتكاب الجريمة نسبية، «ما يجعل العقوبة المطلقة (إعدام) غير متناسبة مع مسؤولية الجاني عن ارتكاب الجريمة، إضافةً إلى أنّ المجتمع يتحمّل جزءاً من المسؤولية عن طريق توفير دوافع وأسباب الجريمة».
أخطاء واستنسابية
من جهة ثانية، لا يتيح الإعدام إمكانية تصحيح الخطأ والرجوع عنه بعد تنفيذه، علماً أنّ القضاء غير معصوم وقد تصدر عنه أحكام خطأ. وهو ما حصل سابقاً، كما في آخر إعدام علني في ساحة طبرجا في عام 1998، إذ تبيّن لاحقاً أنّ أحد الشابين المحكومين بالإعدام في جريمة قتل، لم يكن القاتل فعلاً. عدا عن ذلك، يمكن القول في هذه الحالة تحديداً إن ما تسبب في صدور حكم الإعدام، كان الوضع المادي للمحكومين، ليس إلّا. فالمتّهمان، وفقاً للمستشار القانوني للحملة، رفيق زخريا، «لم تكن لديهما قدرة على توكيل محامٍ، فاختارت المعونة القضائية محامياً ارتكب خطأ، إذ طلب استدعاء تمييز في وجه أهالي الضحايا وليس ضدّ الحق العام، فرُدّت الدعوى، ونُفِّذ حُكم الإعدام». وفي حالات أخرى، يحصل الإعدام بعد اعتراف المتّهم بجرائم لم يرتكبها، بسبب التعذيب أو مقابل مكاسب لعائلته.
يذكر أن أحكام الإعدام التي تصدر عن المجلس العدلي مُطلقة، أي لا يمكن مراجعتها والطعن فيها. إضافةً إلى ذلك، تتأثّر أحكام الإعدام الصادرة عن محكمة الجنايات والمحكمة العسكرية بالظروف السياسية واستنسابية بعض القضاة. والاستنسابية في لبنان خصوصاً، حجّة أساسية لمناهضة عقوبة الإعدام. فوفقاً لدراسة أجرتها الحملة عن تاريخ الإعدام في لبنان منذ الاستقلال (1943)، تبيّن أن «العدد الأكبر ممّن أُعدموا فقراء أولاً، ومحكومون سياسياً ثانياً (نفّذ 19 حكم إعدام إبّان الانقلاب الذي نفّذه الحزب السوري القومي الاجتماعي في عام 1961)، وكان تنفيذ العقوبة ثالثاً يراعي في أكثر الأحيان التوازنات الطائفية».
اللحظات الأخيرة
لا يكون المحكوم بالإعدام على دراية بتاريخ تنفيذ الحكم. في اليوم الذي سبق إعدام المحكومَين بجريمة طبرجا (1998)، يروي أحد الضباط في السجن، كيف تصرف أحدهما عندما نقل إلى زنزانة خاصة وأُعطيَ مهدّئاً للأعصاب. «صرخ المحكوم: أنا بريء، ما قتلت» (تبيّنت لاحقاً براءته). وقبل تنفيذ الحكم بدقائق، «توفّي المحكوم نفسه في سكتة قلبية، فعلّق على حبل المشنقة في ساحة طبرجا جثّة هامدة».
وفي أثناء زيارة فريق من المحامين والحقوقين للمحكومين بالإعدام، دار حوار بين أحد المحكومين بالمؤبّد وآخر محكوم بالإعدام. يروي المحامي: «سألني أحدهم من محكومي المؤبّد سؤالاً، فردّ المحكوم بالإعدام عليه بغضب: «هني جايين كرمالنا، مش كرمالكن». وكأنّ كل مجموعة كانت تفاضل على بؤسها. فردّ الأول عليه: «ما الفرق بيننا؟ نحن نعيش الظروف نفسها ولن نخرج من السجن أحياء». ليجيبه الثاني: «بل أنت سيأتيك الموت من الله مثل أي شخص حرّ، لكننا لا نعرف متى يطرق علينا باب الموت لأي خلاف سياسي يقع في الخارج»».
تعبّر هذه القصة عن الحال النفسية الصعبة التي يمرّ بها المحكومون بالإعدام، وإن كانت الأحكام لا تطبّق، ولا سيّما «اضطراب الموت» الذي يظهر مع الأصوات والتحركات التي يسمعونها ويلحظونها في أوقات غير عادية، خاصة في أثناء نومهم.
ومن العوارض المشتركة أيضاً، أن هؤلاء يهلعون لمجرد فتح باب الزنزانة عند الفجر – التوقيت المتعارف عليه لتنفيذ أحكام الإعدام، ظنّاً منهم أنه قد حانت نهايتهم.
معلومات عن المعدومين
أُعدم في لبنان 51 شخصاً، جميعهم من الذكور، علماً أنّ أحكام إعدام صدرت بحق نساء، لكنها لم تنفّذ. وانقسمت آلية الإعدام بين 35 شنقاً (الأحكام المدنية)، و16 رمياً بالرصاص (الأحكام العسكرية). بالنسبة إلى الجنسيات، توزّع من أُعدموا بين 40 لبنانياً، و11 من جنسيات مختلفة (سوريا، فلسطين، مصر وقيد الدرس). وحول الأسباب، نفّذت 23 عقوبة إعدام بجرائم مرتبطة بالفقر، 8 بجرائم اغتصاب وخيانة وأزمات عاطفية، 4 بجرائم ثأر، 3 بجرائم أسبابها طائفية و13 بأسباب سياسية.



