ملفات ساخنة

الشرق المتصدّع… كيف يتحوّل لبنان وسوريا إلى ساحات اختبار لمشاريع التقسيم؟

بقلم: د. هشام الأعور

مع اقتراب النظام الإقليمي في المشرق من نقطة انهيار تاريخية، تتقدّم إلى الواجهة مقاربات سياسية وأمنية تتعامل مع لبنان وسوريا ليس ككيانين ثابتين، بل كساحتين مفتوحتين لاحتمالات إعادة هندسة جغرافية وديموغرافية تعيد رسم الخريطة من جديد.
وفي هذا المشهد الذي يزداد تعقيداً، تتلاقى مصالح قوى إقليمية ودولية عند فكرة إدارة «ما بعد الدولة» في لبنان وسوريا، ولو عبر نماذج حكم مفكّكة أو مناطق نفوذ شبه منفصلة يصعب لاحقاً إعادة جمعها ضمن منظومات وطنية صلبة.

لبنان في قلب المعادلة الجديدة

لم يعد لبنان بالنسبة للفاعلين الإقليميين مجرّد بلد مأزوم أو ساحة تنافس نفوذ. فهو، في نظر عدد من الدوائر الدبلوماسية والبحثية، جزء من فراغ جيوسياسي أكبر يمتد من شمال سوريا حتى الساحل المتوسطي.
وفي الوقت الذي تنفتح فيه بعض الدول الخليجية على دعم اقتصادي مشروط للبنان، يجري في المقابل تعاطٍ واقعي مع احتمال تغيّر بنيته السياسية، سواء عبر تعديلات دستورية واسعة أو عبر نماذج لامركزية متقدمة قد تلامس خطوطاً فدرالية أو كونفدرالية غير معلنة.

هذا النوع من المقاربات يعكس قلقاً خليجياً عميقاً من استمرار الفراغ في لبنان، لكنه يكشف أيضاً عن تصوّرات متعارضة بين القوى الكبرى حول مستقبل هذا البلد:
– هل يُعاد ترميم الدولة المركزية؟
– أم تُدار مناطق النفوذ بواسطة ترتيبات أمنية محلية؟
– أم يذهب البلد إلى صيغ تقسيم فعلية أو وقف إطلاق نار طويل الأمد بين مكوّناته؟

سوريا: اختبار النموذج الأول لتفكك الدولة

يظهر المسار السوري، بعد أكثر من عقد على الحرب، كنموذج مكتمل لتجزئة السلطة، إذ تتعايش ثلاث منظومات حكم بحكم الواقع:

1. منطقة تسيطر عليها الحكومة المركزية.

2. منطقة تديرها الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية.

3. منطقة تحت نفوذ تركي مباشر وشبه مباشر في الشمال.

هذا التشظّي يعطي إشارات خطرة لنقاط الاضطراب المجاورة، وعلى رأسها لبنان. فكلما تكرّست المناطق السورية ككيانات شبه مستقلة، ازدادت الإغراءات الإقليمية في التعامل مع لبنان كجزء من الحزام المتحرك بين تركيا والأردن والخليج.

الخوف الأكبر: انتقال عدوى الخرائط الجديدة

التجربة التاريخية تثبت أن الحدود ليست أبدية عندما تنهار منظومات الدول.
واليوم، يبرز سيناريو خطير:
تحوّل الصراع اللبناني – إذا بقي بلا حلول – إلى امتداد للصراع السوري، بحيث يُعاد تعريف المناطق الطائفية والسياسية كـ«مربعات استقرار» أو «مربعات صراع»، تمهيداً لفرض ترتيبات دائمة يصعب التراجع عنها.

ومن هنا، يزداد الحديث في العواصم الدولية عن:
– ترتيبات أمنية محلية بديلة.
– كيانات سياسية بلا سيادة مكتملة.
– خطوط تماس تُحوَّل تدريجياً إلى حدود فعلية.

التقسيم كخطر إقليمي لا كمشروع محلي

الخطورة ليست في أن اللبنانيين أو السوريين يريدون التقسيم، بل في أن التصدّع البنيوي في المشرق قد يفرض هذا الواقع عليهم كأمر واقع، تماماً كما حدث في البلقان خلال التسعينيات.
فالمسارات الحالية – من الانهيار الاقتصادي اللبناني إلى التجزئة السورية، ومن تنافس القوى الإقليمية إلى عودة الولايات المتحدة كلاعب متردد – كلّها تؤسس لبيئة هشّة حيث تصبح التسويات المرحلية قابلة لأن تتحوّل إلى تقسيمات دائمة.

النافذة تضيق… والوقت ليس مفتوحاً

الأسبوعان أو الأشهر المقبلة ليست مجرد تفاصيل زمنية، بل هي فترة اختبار للنظام الإقليمي كله:
إما الذهاب نحو إعادة بناء الدول عبر إصلاحات سياسية ودستورية جذرية،
أو الانزلاق نحو واقع جديد من الخرائط المتجاورة، حيث لا يعود ممكناً الحديث عن «لبنان واحد» أو «سوريا واحدة» بالمعنى التقليدي.

الخلاصة

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في الدفاع عن صيغة سياسية بعينها، بل في منع انهيار الإقليم نحو نموذج تفكك شامل.
لبنان وسوريا يقفان عند مفترق طرق، والتهديد الأكبر ليس صعود طائفة على حساب أخرى، بل تفكك الدول نفسها ودخول المنطقة في عصر كيانات صغيرة، كل منها عاجز عن حماية أمنه واقتصاده وهويته.

إنّ منع هذا السيناريو يتطلب مقاربة دولية موحدة، وإرادة داخلية لبنانية وسورية تتجاوز الحسابات الطائفية الضيقة نحو صياغة عقد سياسي جديد قادر على حماية الكيانين من التحول إلى خرائط مؤقتة في لعبة أمم أكبر منهما بكثير.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى