
مع تشخيص أيّ إصابة بالسرطان في سوريا، تبدأ معاناة لا تنتهي معاناة للمريض السوري، من العلاج وتأمين تكاليفه، وصولاً إلى تكلفة النقل من وإلى المستشفى، فضلاً عن مصاريف الإقامة قرب المراكز الطبية، وتأتي هذه المشكلات في ظل واقع اقتصادي يجعل الاستمرار في الرحلة العلاجية عبئاً يفوق قدرة كثير من المرضى وعائلاتهم.
وعلى الرغم من توفير الجرعات العلاجية مجاناً في عدد من المشافي الحكومية، لا تزال نفقات الأدوية المساندة والفحوصات الدورية والتنقل والإقامة تشكّل فجوة بين ما يُقدَّم للمريض وما يحتاج إليه فعلياً لاستكمال علاجه.
الجرعات مجانية، ولكن!
في طرطوس، يحاول عامر، المصاب بسرطان الرئة، مواصلة علاجه رغم التكاليف التي تثقل كاهله، في وقت لا يملك فيه دخلاً ثابتاً يساعده على تغطية نفقات مرضه.
يحصل عامر على جرعات العلاج مجاناً من وزارة الصحة، لكن ذلك لا يعفيه من شراء مادة دوائية مركبة ومرافقة للجرعة، تبلغ تكلفتها مليوناً و400 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 100 دولار أميركي، وفق ما قاله لـ«الأخبار».
وتكمن المشكلة في أن هذه المادة ليست نفقة تُدفع لمرة واحدة، إذ يضطر عامر أحياناً إلى شرائها مرتين في الشهر، بمعدل مرة كل 20 يوماً، ما يضعه أمام التزام مالي متكرر يصعب الوفاء به.
وكان عامر يعمل في ورشة للكهرباء، لكنه لم يعد قادراً على ممارسة عمله بسبب وضعه الصحي، الأمر الذي فاقم معاناته، إذ بات مطالباً بتأمين تكاليف علاجه من دون امتلاك مورد مالي ثابت.
وتكشف حالته جانباً من الفجوة بين توفير الجرعات الأساسية مجاناً وبين تأمين جميع المستلزمات الدوائية التي قد يحتاج إليها المريض خلال رحلة العلاج، وهي فجوة تجعل استمرارية العلاج مرتبطة، في حالات كثيرة، بالقدرة على تحمل النفقات الإضافية.
الموت «أرخص» من العلاج!
يعيش محمد، المصاب بسرطان الفم، في إحدى قرى ريف حماة، حيث يواجه المرض في ظروف صحية ومادية صعبة، بعدما حالت التكاليف المرتفعة دون قدرته على متابعة العلاج بالشكل المطلوب. ومع تراجع إمكاناته المالية، وجد نفسه مضطراً إلى البقاء في قريته، عاجزاً عن تحمّل نفقات التنقل إلى المراكز الطبية وما قد تتطلبه رحلة العلاج من أدوية وفحوصات ومراجعات متكررة.
لا تقتصر معاناة محمد على الجانب المادي، إذ يفرض سرطان الفم تحديات صحية قد تطال قدرته على تناول الطعام والتحدث بصورة طبيعية، فضلاً عن الآلام والمضاعفات التي قد ترافق المرض، ما يجعل الحاجة إلى المتابعة الطبية أمراً بالغ الأهمية.
وبعبارة «الموت أقل كلفة من العلاج»، لخصت والدة محمد لـ«الأخبار» الواقع القاسي الذي يعيشه ابنها، وقالت إنّه يحتاج إلى العلاج في وقت لا تسمح فيه ظروفه بتأمين تكاليفه، فيجد نفسه مضطراً إلى مواجهة المرض بإمكانات محدودة، وسط مخاوف من تدهور وضعه الصحي مع مرور الوقت.
رحلة العلاج لا تبدأ في المستشفى ولا تنتهي عنده
لا تقتصر الأعباء المالية على شراء الأدوية، بل تمتد إلى تكاليف الفحوصات والتحاليل الدورية التي يحتاج إليها المرضى قبل جلسات العلاج وأثناءها، للتأكد من حالتهم الصحية ومتابعة استجابتهم للعلاج.
وتزداد هذه الأعباء عند الحاجة إلى فحوصات تصوير متقدمة، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي والطبقي المحوري، إذ قد تصل تكلفة بعضها إلى مئات الدولارات، بحسب نوع الفحص والجهة التي تجريه.
وتضاف إلى ذلك نفقات النقل من المحافظات إلى المراكز الطبية المتخصصة، ولا سيما في دمشق، التي يقصدها مرضى من مختلف المناطق لتلقي العلاج في المشافي والمراكز المتاحة.
ولا يكون النقل العام خياراً مناسباً لجميع المرضى، خصوصاً من يعانون ضعفاً شديداً أو آثاراً جانبية للعلاج، أو يحتاجون إلى التنقل في ظروف صحية خاصة، ما يضطر بعض العائلات إلى الاستعانة بسيارات خاصة، بكلفة أعلى.
وهكذا، تتحول كل زيارة طبية إلى سلسلة من النفقات المتراكمة، تبدأ بالنقل، وقد تشمل الفحوصات والأدوية، ولا تنتهي بالضرورة عند مغادرة المستشفى.
الإقامة في دمشق.. عبء إضافي على العائلات
بالنسبة إلى المرضى القادمين من خارج دمشق، تمثل الإقامة مشكلة أخرى، خصوصاً عندما تستدعي الخطة العلاجية البقاء في العاصمة يومين أو ثلاثة، أو العودة إليها خلال فترات متقاربة.
وبحسب إفادات مرضى وعائلاتهم، تتراوح أسعار الغرف الفندقية المتواضعة بين 30 و120 دولار لليلة الواحدة، وهي مبالغ تجعل الإقامة لفترات طويلة أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل.
ويتمكن بعض المرضى من الإقامة لدى أقارب أو معارف في دمشق، لكن هذا الخيار لا يتوافر للجميع، ما يضطر عائلات أخرى إلى تحمل تكاليف الفنادق أو البحث عن أماكن أقل كلفة، في وقت تكون فيه معظم مواردها موجهة إلى تأمين العلاج.
وتتضاعف المشكلة عندما تتكرر الزيارات الطبية، إذ لا تُحسب النفقات على أساس رحلة واحدة، بل تتراكم مع كل موعد أو جلسة علاج، لتشكل عبئاً يصعب تحمله على المدى الطويل.
علاج مجاني للأطفال لا يعفي من النفقات
تتجسد هذه المعاناة أيضاً في تجربة والد الطفلة إيمان، الذي يقول إن جرعات علاج ابنته كانت تُقدَّم مجاناً، لكنه ظل مضطراً إلى شراء أدوية إضافية ضرورية للمرضى بعد العلاج الكيميائي والإشعاعي.
ولا تتوقف النفقات عند الأدوية، إذ يضطر والد إيمان إلى التنقل من اللاذقية إلى دمشق لمراجعة مشفى البيروني المختص بالأورام، حيث تتلقى ابنته العلاج، فضلاً عن تحمل تكاليف الإقامة عند الحاجة.
ويقول إن الأسرة لا تملك أقارب في دمشق يمكنها الإقامة لديهم، ما يضطرها أحياناً إلى حجز غرفة فندقية لمدة يومين أو ثلاثة، تبعاً لمدة العلاج والحالة الصحية للطفلة.
وبحسب إفادته، تصل تكلفة كل رحلة إلى دمشق إلى نحو 100–120 دولاراً أميركياً موزعة بين مواصلات وإقامة وأدوية، في حين يبلغ راتبه الشهري نحو 100 دولار، باعتباره موظفاً في وزارة النقل.
وبذلك، قد تستهلك رحلة علاج واحدة ما يعادل راتبه الشهري أو تتجاوزه، من دون احتساب بقية الاحتياجات المعيشية للأسرة، أو أي نفقات إضافية قد تفرضها الحالة الصحية للطفلة.
وتوضح هذه الحالة أن مجانية الجرعات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان حصول المريض على العلاج، ما لم تترافق مع إجراءات تخفف أعباء الأدوية المساندة والنقل والإقامة، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال القادمين من المحافظات.
أدوية حديثة خارج متناول المرضى
إلى جانب الأعباء اليومية، يواجه مرضى السرطان في سوريا تحديات تتعلق بتوافر بعض العلاجات الحديثة، ولا سيما الأدوية الموجهة والعلاجات المناعية، التي تُستخدم في حالات محددة وفق نوع الورم وخصائصه الطبية.
وتكاد هذه العلاجات تكون غائبة عن معظم المراكز الحكومية، بحسب مصدر في وزارة الصحة السورية لـ«الأخبار»، بسبب ارتفاع تكلفتها وصعوبات الاستيراد، ما يحد من قدرة المرضى على الوصول إليها.
وتتطلب هذه الأدوية، في كثير من الحالات، مبالغ كبيرة تفوق الإمكانات المالية للأسر، الأمر الذي يدفع بعض المرضى إلى البحث عنها في السوق الخاصة، أو اللجوء إلى مصادر غير نظامية، أو تأجيل العلاج بانتظار تأمين ثمنه.
ويثير ذلك مخاوف تتعلق بقدرة المرضى على الحصول على العلاج المناسب في الوقت المطلوب، خصوصاً أن اختيار العلاج يعتمد على طبيعة الورم ومرحلته والحالة الصحية للمريض، ولا يمكن استبدال دواء بآخر من دون تقييم طبي متخصص.
وفي ظل هذه الظروف، لا تتعلق المشكلة بتوفير الدواء فحسب، بل أيضاً بقدرة النظام الصحي على تأمين استمرارية العلاج، وضمان وصول المرضى إلى الخيارات الطبية التي تتطلبها حالاتهم، ضمن الإمكانات المتاحة.
نحو 20 ألف إصابة جديدة سنوياً
على مستوى أوسع، كشفت وزارة الصحة السورية عن تسجيل ما بين 17 ألفاً و20 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنوياً في البلاد، مشيرة إلى أن هذه المعدلات تتقارب مع النسب العالمية، ولا تعكس، وفق توضيحاتها، زيادة فعلية في انتشار المرض.
ويتصدر سرطان الثدي قائمة الأورام الأكثر شيوعاً في سوريا، يليه سرطان الرئة، ثم سرطانات الرأس وعنق الرحم، وفق أحدث بيانات الوزارة.
أما لدى الأطفال، فتشير البيانات الطبية إلى تسجيل نحو 1100 إصابة جديدة بالسرطان سنوياً، معظمها من سرطانات الدم، ولا سيما اللوكيميا، إلى جانب رصد إصابات في أعمار مبكرة بأنواع أخرى، من بينها سرطان الغدة الدرقية.



