هكذا تستكمل السلطة الجديدة في دمشق تجريف ذاكرة سوريا الحضارية!

تتسارع الخطوات في المشهد السوري نحو صياغة هوية جديدة للبلاد، قائمة على إلغاء الموروث التاريخي وتفكيك رمزيته الجامعة. ولم تكن حادثة نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من مقره التاريخي أمام قلعة دمشق بحجة التحديث والصيانة، سوى أحدث الحلقات في سلسلة متصلة من استهداف الشواهد الإنسانية، التي بدأت بتحطيم تمثال شهداء الاستقلال في حلب، ومرت بنهب المتحف الوطني وتدمير آثار مدينة ماري العريقة، وصولاً إلى طمس المعالم الدينية المسيحية، كاستهداف كنيسة باب كيسان بدمشق القديمة.
تظهر هذه الممارسات المتلاحقة وجود منهجية صلبة تعتمدها القيادة المهيمنة على العاصمة لإفراغ الفضاء العام من الأشكال الفنية والتاريخية. ويقوم هذا السلوك الهيكلي على رؤية عقائدية متزمتة تعتبر المعالم الأثرية والتماثيل مجرد مظاهر تحرمها الأدبيات الراديكالية وتصنفها في خانة «المحظورات العقائدية».
ولا تقتصر هذه السياسة على المعالم المدنية والعسكرية، بل تمتد لتطال الهوية المتنوعة التي تشكلت عبر آلاف السنين، حيث يتم استبدال الحماية الرسمية للآثار بعمليات تجريف ممنهجة، وصلت إلى حد مسح أجزاء من الموقع الأثري في تدمر لإقامة مشاريع استثمارية.
تتجاوز المشهدية الراهنة فكرة الفوضى العابرة أو التصرفات الفردية، لتؤكد وجود توجيه مباشر يستغل الواجهات الخدمية والتنظيمية لتمرير التغيير الديمغرافي والثقافي. ومع تكرار الذرائع اللوجستية والفنية عند كل استهداف لرمز حضاري، تترسخ قناعة لدى المراقبين بأن ما يجري هو عملية إعادة تشكيل قسرية للمجتمع، تُسقط الذاكرة الوطنية لصالح مشروع إيديولوجي أصولي يرفض التعايش مع التنوع التاريخي والجغرافي للبلاد.



