مجتمع

سوق “أبو رخّوصة” عاد إلى بيروت.. فهل يُعيد الحياة إليها؟

عام 2015، أتحفنا رجل الأعمال ورئيس جمعية تجار بيروت، نقولا شماس، خلال لقاء تلفزيوني بحديث “عنصري ومقزّز”، حيث رفض يومها وجود الحراك الشعبي والاحتجاجات وسط العاصمة بيروت -حيث تتمركز المحال التجارية الفارهة وأهم المصارف والمؤسسات- وقال إنه لن يقبل أن يتحوّل هذا المكان “الفخم” إلى “سوق أبو رخوصة”، وكأنه غمز إلى أن العاصمة ستبقى حكرًا على “الطبقة المخملية” ورجال الأعمال وأصحاب الأموال، ولا مكان للفقير فيها.

هذا التصريح الناجم عن تخلّف وجهل، أحدث يومها ضجّة واسعة في الشارع اللبناني وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنّه أعطى أفكارًا جديدة للمواطنين ورسّخ في أذهانهم فكرة أن عاصمة بلدهم هي ملك للشعب ولا يحقّ لأحد أن يحدّد “المستوى المعيشي” لمن يريد أن يقصدها. وربّما لو علِم “شماس” يومها أن خوفه هذا سيتحوّل إلى أمر واقعي وحقيقي، لفكّر مرارًا قبل أن يتجرّأ ويقول ما قاله.

ومنذ ذلك الوقت، أطلق الناشطون في الحراك المدني “سوق أبو رخوصة” في العاصمة بيروت، كسروا من خلاله احتكار “سوليدير”، “ليعود وسط بيروت إلى أهله والناس، وليعود البلد يجمع اللبنانيين من دون أن يكون حكراً على أصحاب الحسابات المصرفية الضخمة”، وفقًا للوصف الوارد في صفحات “سوق أبو رخوصة” على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذا السوق الذي انطلق عام 2015 وامتدّ على مدى سنوات، سيُقام يوم غد الأحد ابتداء من الساعة العاشرة صباحًا وحتى التاسعة مساء في وسط العاصمة بيروت، علّها تستعيد القليل من حياتها ورونقها بعد أن هدمتها أيادٍ فاسدة بانفجار ضخم لا زال الفاعلون حتى الساعة خارج القضبان ولم تتوصّل التحقيقات إلى أي نتائج.

يضمّ السوق أكثر من 100 خيمة تُباع فيها مختلف البصائع من مواد غذائية وألبسة وعطورات وغير ذلك، يتخلّله العديد من الأنشطة والألعاب للأطفال -جميعها مجانية- تفسح المجال للأطفال إلى تمضية يوم أحد ممتع برفقة أهلهم، ليبتعدوا ولو لبضع ساعات من الوقت عن الواقع الأليم الذي يعيشه المواطن اللبناني وسط الأزمات المتعدّدة من انقطاع في المحروقات والحليب والأدوية وغيرها، بالإضافة إلى الوضع الحكومي المأزوم والوضع المالي والاقتصادي المتدهور وارتفاع سعر صرف الدولار الذي لامس الـ 15 ألف ليرة لبنانية.

الناشط في حركة الشعب وأحد المسؤولين عن تنظيم “سوق أبو رخوصة”، عمر واكيم، أكّد في حديث لـ”أحوال” أن هذا السوق بات بمثابة وسيلة للتأكيد على أن هذه الأرض التي تم السيطرة عليها بالاحتيال واحتلالها وسرقتها بموجب قانون مخالف للدستور، هي ملك للشعب ويمكنه أن يستثمرها لبيع البضائع التي يريد حالها حال أي عاصمة أو مدينة في العالم، حيث تقدّم الدولة مساحة عامة للناس في قلب العاصمة أو في المناطق السياحية لإقامة سوق شعبي، لافتًا إلى أن فكرة “سوق أبو رخوصة” لا يعني أن البضائع المعروضة للبيع فيه ستكون أسعارها متدنية أو مجانية، إنما المكان الذي سيعرض فيه التاجر بضائعة سيكون بأقل كلفة ممكنة وفي وسط العاصمة بالوقت عينه، في حين يضع كل تاجر الأسعار المناسبة وفقًا لنوع البضائع والسلع التي يقدّمها.

واكيم أشار إلى أنه وبعد أن عمد منظّموا السوق إلى تقديم المكان والخيم فيه بشكل مجاني للتاجر -يدفع المنظمون أجار الخيم- أصبح الأمر اليوم يقتصر على مكان عرض البضائع فقط، وكل من يريد أن يستأجر خيمة عليه أن يدفع سعرًا رمزيًا مقابل ذلك، خصوصًا بعد زيادة الطلب على الخيم من قبل التجار وعدم قدرة المنظمين على تغطية جميع هذه المصاريف.

أما بالنسبة لأسعار البضائع والسلع، فشدّد واكيم في حديثه لموقعنا على أنّهم لا يفرضون الأسعار على التجار، إنما طلبوا منهم مراعاة الوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب للمواطنين، وأن تكون الأسعار تتناسب مع اسم السوق، كي يتسنّى للجميع شراء ما يرغب.

السوق سيقتصر على يوم غد الأحد ولن يمتد لأكثر من يوم، بحسب ما أكد واكيم لـ”أحوال”، حيث أشار إلى أن المنظّمين تقدّموا بطلب للحصول على موافقة محافظ بيروت مروان عبود بإقامة السوق بشكل دائم، يتم خلاله دفع اشتراك شهري بقيمة 50 ألف ليرة من كل تاجر يرغب بعرض بضائعه في السوق ويعود المبلغ لدعم البلدية، إلا أنهم ما زالوا بانتظار موافقة المحافظ “الذي أبدى استعداده لدعم هذا المشروع، لكن ربّما قوّة الشركة المحتكرة والحسابات السياسية والمصالح الشخصية للعديد من النافذين في البلد هي ما تمنع تحقيق هذا الأمر”.

ياسمين بوذياب

ياسمين بوذياب

صحافية لبنانية، عملت كمراسلة ومحررة أخبار في عدة مواقع الكترونية إخبارية وفنيّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى