منوعات

الحريري أمام خيارين أحلاهما مُرّ.. بعد الأعياد

يمكن اعتبارها اليوم المرحلة الأكثر أهمية وربّما الأخطر سياسيًا على الرئيس المكلّف سعد الحريري لما لها من أبعاد قد تُعيد صياغة مستقبل الحريرية في الكامل بعد نحو 30 عامًا على ولادتها.. رسميًا.

يعود ذلك إلى مقدار التحديات والمصاعب التي يواجهها الحريري بعد أكثر من عام ونصف على خروجه من جانب واحد على تفاهمه مع العهد، بشقيه رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، عند تقديمه استقالته المفاجئة من رئاسته لحكومته بعد أيّام على اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأوّل في العام 2019.

كان ذلك انقلابًا على العهد وُجِّه في شكل أساسي إلى باسيل الذي احتفظ معه الحريري بعلاقة غريبة ومثيرة للجدل منذ زمن. ولعلّ تلك العلاقة لا تشبه غيرها بتعرجاتها أوّل الأمر ومن ثم باهتزازاتها.. وأخيرًا بتفجرها على أساس شخصيّ قبل السياسيّ!

والحال أنّ هذا الانفجار جاء بعد شهر عسل دام سنوات ثلاث بين عون وباسيل من ناحية، والحريري من ناحية ثانية، أثمر تفاهمًا تمخّض عن تسوية في البلاد جاءت بالعماد عون حينها رئيسًا في العام 2016 وزعيم “تيار المستقبل” رئيسًا للحكومة. ولا يزال الحريري على يقين أنّه من مهّد إلى تلك التسوية وضحى في سبيلها بعد تخلّيه عن الخصم اللّدود للعهد سليمان فرنجية وتحويله المزاج العام السنّي الرافض لعون منذ حربه “التحريرية” في العام 1989، إلى قابل له على مضض شرط الخروج من مرحلة “إحباط” سنيّ تجاوزت لبنان إلى المنطقة.

لكنّ الحريري يعلم تمامًا أنّ حلول عون رئيسًا كان له ظروفه الاقليمية والدولية وطبعا الداخلية، والأهم تعميده بفيتو تمسك به “حزب الله” على غيره من المرشحين، إضافة إلى تطويب رئيس “التيار الوطني الحر” حينها زعيمًا مسيحيًا هو الأبرز بعد توقيع تفاهم معراب المثير للجدل بدوره، مع سمير جعجع.

ثمة من يؤكد في بيئة “التيار الحر” أنّ الحريري لم يعترف بالتفاهم غير الظاهر للعلن الذي أجراه مع عون ومؤداه غاية في البساطة: وراثة باسيل لعون في الرئاسة لتأمين استمرارية الثنائية التي بدأت مع عون والحريري.

لكن بعد سنوات ثلاث من حلف معمد بالتحاصص الطائفي والمصلحي، خرج الحريري على تفاهمه مع عون مقدما استقالته المفاجئة بعد ايام على 17 تشرين. منذ تلك اللحظة، توجهت اصابع اتهامات العهد إلى الزعيم “المستقبلي” “ناكر الجميل” مع تذكيره على الدوام بالجهد الذي بذله العهد “لإخراجه من اعتقاله في السعودية”، بينما يواجه زعيم “المستقبل” ذلك بأن يعيد لنفسه فضل وصول عون إلى الرئاسة التي ما كانت لتؤول إليه لولا تسخير الحريري لثقله في سبيل توجيه الرأي العام الداخلي والعربي والدولي نحو الحليف اللّصيق بـ”حزب الله”.

اليوم وبعد إفشال كلّ الأسماء السنيّة المطروحة لرئاسة الحكومة ومن ثمّ تعثر حكومة حسان دياب التي حوربت من داخلها، اختار الحريري العودة ليتسلّح بتكليف احتفظ به من دون تشكيل لحكومة يريدها من دون أيّ أثر لباسيل. إلّا أنّه على يقين في هذه اللّحظة أنّها مرحلته الأدق. ذلك أنّه بات داخليًا من دون غطاء مسيحي جاد بلا العهد و”القوّات اللبنانية”، وخارجيًا بات بلا أيّ مظلّة عربية ودولية حتى الفرنسية منها بعد الصدام مع باريس ورفضه لمبادرتها بجمعه مع باسيل.. ما أدّى بتلك المبادرة إلى الفشل حتى هذه اللّحظة، على حد تعبير قيادي “مستقبلي”.

والواقع أنّ مسؤولية الفراغ يتحملها الجميع وسط أزمة متفاقمة في البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا تنذر بفوضى متعدّدة الأوجه، بينما يفتقد لبنان لرجال دولة وطبقة سياسية مسؤولة لإخراجه من سقوط مدوٍّ لمؤسساته الحافظة للبلاد. ولعلّ هذا الفراغ سيستمر في المرحلة المقبلة بعد ذلك السقوط لمسعى باريس والذي عبّر عنه فشل زيارة وزير الخارجية جان إيف لودريان.

وبعد أيام على مغادرة الضيف الفرنسي، يبدو الجميع مترقبًا لما ستحمله الأيام المقبلة. وبينما شرع باسيل في الخروج من عزلته الخارجية بإخراج روسي بعد تخطيه صدمة العقوبات الأميركية وبدئه هجومه المضاد غير الآبه بتهديدات العقوبات الفرنسية أو لنقل الإجراءات التي يتردّد أنّها لن تكون بعيدة زمنيًا من دون معرفة أهدافها حتى الآن، يبدو الحريري في أزمة حقيقة وهو أمام خيارين أحلاهما مُرّ يشير متابعون للملف الحكومي إلى أنّ مرحلة ما بعد عيد الفطر ستشهد أحدهما: إمّا أن يعلن اعتذاره وهو ما سرّبه عبر قياديين مستقبليين وفي الإعلام، مع ما يستتبع ذلك من فراغ سنيّ وتراجع في الشعبية وربما بدء العدّ العكسي لها، أو أنّه سيصر على تكليفه مواجهًا لكلّ الظروف الداخلية والخارجية، وبذلك سيظهر بصورة المُتنازِل والخاضع للعهد ولـ”حزب الله”، وهو ما قد يؤدي أيضًا إلى النتيجة نفسها!

 

فرنسا تُقرّ بتحولات لصالح لبنان

ثمّة من يعتبر أنّ الاعتذار الحريريّ لم يكن سوى تسريبًا متعمدًا من قبل صاحبه لجس نبض الحزب خاصة الذي يصرّ على مرجعية سنية تواجه أيّ فتنة محتملة في الشارع، والحلفاء المفترضين وأبرزهم نبيه بري ووليد جنبلاط. وفي هذا الوقت يجلس الرئيس المكلّف في منزله مترقبًا مفاعيل ذلك التسريب من دون استبعاد تعزيز تلك الفكرة في المقبل من الايام مع انسداد أفق تشكيل الحكومة، علما ان هناك في بيئة الحريري من لا يزال يثير أمر ذلك الاعتذار ويستثمره.

وحتى تبيُّن هذا المسار، تبقى المبادرة الفرنسية، وهي اقتصادية وسياسية في آن، الوحيدة المطروحة على الطاولة بينما لم يعلن الفرنسيون سحبهم لها. لا بل أنّ لودريان أسرّ لبعض من التقاهم في زيارته أنّ بلاده هي الوحيدة التي لا تزال تهتم بلبنان وتسأل عنه. لكنّه في موازاة ذلك وفّر بارقة نور في نهاية النفق المظلم مؤداها أنّ لبنان قد يسفيد من كل ما يجري من مفاوضات وخاصة بين الولايات المتحدة وإيران، وطبعًا على خط طهران والرياض مرورًا بدمشق، لصياغة تسوية في المنطقة تقوم أوّلًا على قاعدة فكّ الاشتباك، ومن ثمّ الانفتاح ما سينعكس على الجميع ومنهم طبعًا لبنان الذي سيشكّل حينها فقط حكومته.

لكنّ السؤال يبقى: هل سيصمد لبنان، الوحيد اليوم، حتّى تشكيل تلك الحكومة المنتظرة بينما يتوجّه بتصميم نحو الهاوية؟.

 

عمار نعمة

عمار نعمة

كاتب سياسي لبناني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى